و الوسيلة الخامسة - التي استخدمها ابن رشد- هي إظهاره الانتصار للشريعة و الحزن عليها بسبب ما أصابها على أيدي المتكلمين و غيرهم [1] ، و هذا ليس من أجل العودة الصحيحة إليها و تنقيتها من تحريفات المتكلمين و الفلاسفة و أباطيلهم، و إنما من أجل خدمة الأرسطية أساسا، بناء على العلاقة التي أقامها بين الشريعة و فلسفته الأرسطية. لأنه مع إظهاره لذلك فإنه كثيرا ما كان مُقزما للشريعة و مُهملا لها، و مُحرفا و مُؤخرا لها، و ذلك بإغفاله لها و تقرير لما يُخالفها، و إخضاعها للتأويل الباطني المشائي، و عدم حملها كبديل شرعي لكل الأديان و المذاهب و الفلسفات.
و أما الوسيلة الخامسة- و هي الأخيرة- فتتمثل في استخدام ابن رشد للإسلام وسيلة لخدمة الأرسطية من جهة، و استخدامها لأرسطة الإسلام و ليس لأسلمتها من جهة أخرى. كإعطاء الشرعية لها باسم الإسلام [2] ،و تبرير بعض عقائدها بالتأويل التحريفي [3] ،و إطلاق أسماء إسلامية على مفاهيم و مبادئ يُونانية، كتسمية العقول المفارقة بالملائكة.
و يتبين من تلك الوسائل-التي ذكرناها- أنها تندرج ضمن الطرق التي استخدمها ابن رشد في تقريره للعلاقة بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية القائمة على ثلاثة مبادئ، و هي: الفصل، و الوصل، و التوفيق، خدمة للأرسطية و دفاعا عنها و نتصارا و نشرا لها. فكانت الشريعة هي الخاسر الأول و الفلسفة الأرسطية هي الراح الأول في مشروع ابن رشد الأرسطي الظلامي.
تباينت آراء أهل العلم في مواقفهم من العملية الفكرية التي قام بها ابن رشد في تقريره للعلاقة بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية، أذكر منها اثني عشر موقفا، أولها موقف الشيخ تقي الدين بن تيمية، إنه يرى أن ابن رشد سعى إلى الجمع بين الشريعة و الفلسفة لتقريب أصول الفلاسفة إلى طريقة الأنبياء ليُظهر أن أصولهم لا تُخالف الشرائع النبوية، و إن كان في باطنه يقول: إن ما أخبرت به الرسل لا حقيقة له [4] ... .
و الموقف الثاني هو للحافظ شمس الدين الذهبي، إنه وصف عمل الفلاسفة المشائين و منهم ابن رشد، بأنه سعي للجمع بين الشريعة و فلسفة اليونان، هو عمل خاطئ، لأنه لا يمكن الجمع بينهما، و من رام الجمع بين علوم الأنبياء -عليهم الصلاة و السلام - و علوم الفلاسفة، فلابد أن يخالف الاثنين، و من كفّ و مشى خلف ما جاءت به الرسل، سَلِم له دينه و يقينه. ثم قال: (( و لقد
(1) نفس المصدر، ص: 125.
(2) كالفتوى التي أصدرها بوجوب دراسة كتب الفلسفة.
(3) كتأويل بعض الآيات في قوله بأزلية العالم و أبديته.
(4) ابن تيمية: الصفدية، ص: 160، 237.