فهرس الكتاب

الصفحة 205 من 232

و هو بذلك يكون قد أقر ثلاثة مبادئ، و كرّسها لخدمة مذهبيته الأرسطية، أولها مبدأ الفصل بين الشريعة و الفلسفة-يعني بها الأرسطية-، فكل منهما مُنفصل عن الآخر بذاته و خصائصه، و على كل منهما أن يعترف بالآخر و يحترمه من دون إقصاء و لا إنكار. و بهذا يكون ابن رشد قد وضع الأساس الفكري للاعتراف بالفلسفة الأرسطية كمذهب مُعترف به في المجتمع الإسلامي.

و أما المبدأ الثاني فهو مبدأ الوصل، و يعني أن الفصل الذي قرره بين الشريعة و تلك الفلسفة لا يعني وجود انفصال تام بينهما، و إنما- إلى جانب ذلك- يُوجد اتصال بينهما بمثابة جسر يربطهما، و هذا واضح و مُستنتج أيضا من عنوان كتابه: فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة و الحكمة من الاتصال. فالاتصال بينهما موجود على أساس مبدأ الانفصال، و هو ضروري عند ابن رشد، و بدونه لا يُمكنه القيام بالعملية التي يسعى إلى تحقيقها، و بناء على هذا الاتصال زعم ابن رشد أن الشريعة و الفلسفة الأرسطية متطابقتان و متوافقتان، و هذا زعم باطل، فقد سبق أن بينا أنه لا تطابق و لا توافق بينهما.

و أما المبدأ الثالث فهو مبدأ التوفيق، و يُشبه المبدأ الثاني من جهة، و يختلف عنه من جهة أخرى، لأنه يُوجد فرق واضح بين التوافق و التوفيق، الأول يعتمد على كشف و إظهار التواصل الموجود بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية، و هذا هو التوافق. لكن الثاني -أي التوفيق- لا يقوم على كشف اتصال واضح متطابق بينهما، و إنما يستدعي القيام بعملية توفيقية يُستخدم فيها التأويل الباطني التحريفي للنصوص، كما فعل ابن رشد في موضوع أزلية العالم و صفات الله تعالى، حين أخضع نصوصها للتأويل التحريفي لإيجاد توفيق و جمع و تقريب بين الشريعة و الأرسطية في المسائل التي أخضعها للتأويل الباطني الذي هو في حقيقته تلفيق لا توفيق.

و الوسيلة الرابعة هي الاشتداد في نقد المتكلمين و التهجم عليهم، و تحميلهم مسؤولية إفساد المنهج الشرعي في العقائد [1] . إنه اشتد في انتقادهم و خطّأهم في معظم ما قالوه، و نسي أو تناسى إخوانه الفلاسفة المشائين الذين بالغ في مدحهم و الرفع من شأنهم، و سماهم أهل البرهان و اليقين مقابل المتكلمين الجدليين، و تناسى شناعات و أباطيل و خرافات المشائين الذين أنكروا بهاحقائق الدين الثابتة المعروفة من دين الإسلام بالضرورة. علما بأن المتكلمين -على كثرة أخطائهم- فهم أحسن حالا من المشائين بفارق كبير، فهم يقولون بخلق العالم، و المعاد الأخروي، و يثبتون كثيرا من الصفات، خلاف المشائين الذين لا يقولون بذلك. و قد بالغ ابن رشد في انتقادهم ليُكسر شوكتهم، و يطرح بديله الفلسفي الأرسطي التحريفي، و ليس لطرح البديل الشرعي الصحيح.

(1) ابن رشد: فصل المقال، ص: 106. و الكشف، ص: 103 و ما بعدها، 172 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت