تقريرهم لما يُخالفها، و و تحريفهم لها بالتأويل، إلا أدلة دامغة على صحة ما أقول، و على نقض مزاعم ابن رشد.
و الشاهد الثالث -على نقض زعم ابن رشد- هو أنه قال: إن الشرائع كلها صحيحة عند الفيلسوف، و عليه أن يختار أفضلها في زمانه [1] . و قوله هذا خطير جدا لأنه هدم لشريعة الإسلام، و نقض لدعوى التسليم لها و احترامها، و تبجيلها و الالتزام بها من جهة، و إنكار لصحتها و قداستها و وجوب الإيمان بها من جهة أخرى. لأن شريعة الإسلام نصت صراحة على أنها خاتمة الرسالات السماوية، و أنها الكلمة الإلهية الأخيرة إلى الإنس و الجن كلهم، من آمن بها نجا و مصيره إلى جنة الخلد، و من كفر بها هلك و مصيره إلى جهنم و بئس المهاد. و هذا أمر معروف من دين الإسلام بالضرورة لا يحتاج إلى شواهد و توثيق لإثباته. لكن ابن رشد نقض ذلك بزعمه الباطل لأنه أغفل موقف الشريعة الإسلامية و خُصوصياتها، و سوى بينها و بين الشرائع الأخرى و جعلها كلها صحيحة!!. و هذا أمر باطل شرعا و عقلا، و لا يصح أن يصدر عن إنسان يُؤمن بالشريعة، لأنه نقض لإيمانه بها. لكن الرجل لم يبال بذلك لأن هواه ليس في الشريعة و إنما هو في الفلسفة الأرسطية، و أما الشريعة فهي كالشرائع الأخرى، صحت أم لم تصح فالأمر سيان عنده، و لا يهمه-بالدرجة الأولى- إلا أمر الفلسفة الأرسطية.
لذا وجدناه واقفا حازما مناضلا في دفاعه عن تلك الفلسفة و مُغاليا فيها، و وصفها بأنها برهان و يقين، و اعتقد في صاحبها أرسطو العصمة، و رفعه إلى مرتبة الأنبياء و الملائكة، و لم يسو بين فلسفته و فلسفات غيره من فلاسفة اليونان، لأنه يعلم أن الحقيقة لا تتعدد -عندما تتناقض المذاهب -،و المُتمثلة في الفلسفة الأرسطية. لكنه سوى بين الشرائع و جعلها كلها صحيحة رغم تناقضها فيما بينها، و تناقضها مع فلسفته الأرسطية أيضا و لم يُبال بهذا التناقض الصارخ السافر. فهذا دليل دامغ على أن الرجل-أي ابن رشد- قال ذلك الكلام ذرا للرماد في العيون لإبعاد أو تخفيف معارضة المسلمين له من جهة، و ليتمكن من الوصول إلى خدمة مذهبيته الأرسطية من جهة أخرى.
و أما الوسيلة الثالثة -التي استخدمها ابن رشد- فهي تقرير و تكريس مبدأ الفصل، و الوصل، و التوفيق بين الشريعة و الفلسفة- يعني الأرسطية-،و ذلك أنه نص على أن كلا منهما حق، و هما متطابقتان، و أختان رضيعتان مُصطحبتان بالطبع. و قال أيضا: (( و ذلك أنه لما كانت كل صناعة لها مبادئ، و واجب على الناظر في تلك الصناعة أن يُسلّم مبادئها، و لا يعرض لها بنفي و لا بإبطال ... ) ) [2] .
(1) ابن رشد: المصدر السابق، ص: 373.
(2) ا: المصدر السابق، ص: 337.