فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 232

الترقيع و التلفيق، و تأبى العملية التحريفية التي قام بها ابن رشد. الأمر الذي يُثبت أن فتوى ابن رشد بوجوب دراسة كتب الفلسفة القديمة-أي اليونانية- هي فتوى باطلة و لا تصح شرعا و لا عقلا. استخدمها وسيلة للوصول إلى إيجاد شرعية لتعاطي فلسفة اليونان عامة و الأرسطية خاصة، و تبرير موقفه من العلاقة بين الشريعة و تلك الفلسفة من جهة، و المساهمة في إزالة الحواجز التي تعوق انتشارها بين المسلمين من جهة أخرى.

و أما الوسيلة الثانية -التي استخدمها ابن رشد- فهي إظهار احترام الفيلسوف للشرائع عامة و الإسلامية خاصة، فأكد على أنه يجب على كل إنسان أن (( يُسلم مبادئ الشريعة و أن يُقلّد فيها ) )، لأن مبادئها (( أمور إلهية تفوق العقول الإنسانية، فلابد أن يُعترف بها مع جهل أسبابها ) ).و إذا شك الفيلسوف في مبادئ الشريعة التي نشأ عليها، أو بتأويل مُناقض للأنبياء-عليهم السلام- و صاد عن سبيلهم، فمن حق الناس أن يطلقوا عليه اسم الكفر، و تُوجب عليه الملة التي نشأ فيها عقوبة الكفر [1] .

و قوله هذا هو من باب التضليل و التغليط و الاستهلاك المحلي الجماهيري قاله في كتبه العامة الموجهة لغير الفلاسفة من أهل العلم و العوام. لأن قوله هذا تنقضه و ترده شواهد كثيرة، أولها إن معظم أصول الفلسفة الأرسطية و فروعها مُخالفة لدين الإسلام صراحة، في الإلهيات و الطبيعيات و طرق الاستدلال، كإنكارها للصفات الإلهية، و الأفعال الاختيارية، و قولها بأزلية العالم، و أُلوهية العقول المُفارقة، و إنكار يوم المعاد، فهل الفلسفة التي تقول بذلك يصح أن يُقال: إن أصحابها يحترمون تلك الشريعة؟!، و ماذا بقي للشريعة بإنكار تلك الأصول و غيرها؟، و هل من ينكر ذلك يُسمى مُسلما؟!.

و الشاهد الثاني مفاده إن قول ابن رشد بأنه يجب على كل إنسان أن يُقلّد الشريعة و يُسلّم لها مبادئها، و هذا ينطبق على الفيلسوف أيضا، لأن قوله-أي ابن رشد -هو حكم عام ينطبق على كل إنسان. لكنه في الحقيقة لا ينطبق على ابن رشد و أمثاله، لأنه هو نفسه نص على وجوب استخدام التأويل الباطني، و زعم أن الفلاسفة هم الراسخون في العلم، و أصحاب البرهان و اليقين، الذين لهم القدرة على تأويل الشرع و معرفة معناه الباطني لصرفه عن معناه الظاهري [2] . و من يقول ذلك و يفعله، و يدعوا إليه و ينتصر له لا يصح أن يُقال عنه: إنه قلّد الشريعة و سلّم لها مبادئها. لأن موقفه من التأويل هو نقض لدعوى التسليم للشريعة و تقليدها. علما بأن الحقيقة هي أن الفلاسفة المشائين -بأصولهم و فروعهم و تأويلاهم- هم حرب على الشريعة قلبا و قالبا، و ما إغفالهم لها، و

(1) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 337، 373.

(2) سبق توثيق ذلك في الفصل الأول.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت