للمقارنة بين الماء و الفلسفة الأرسطية، لأن الماء أكيد أنه ضروري و نافع للجسد، و منعه يُؤدي إلى الموت بالضرورة. لكن تلك الفلسفة أكيد أيضا أنها باطلة و مضرة بذاتها و مُهلكة لمن آمن بها و تعطاها. فالماء ضروري و نافع بذاته، و الأرسطية ضارة بذاتها بالضرورة، و عليه فإن المثال الذي ذكره لا يصح، و فيه تغليط و تلبيس على القراء. و ابن رشد و أصحابه هم شواهد دامغة على تضررهم بها، فأضلتهم عن الصراط السوي و ما هدتهم إليه.
و أما قوله بأنه: (( إن كان غيرنا قد فحص عن ذلك -في أي علم- فتبين أن يجب علينا أن نستعين على ما نحن بسبيله بما قاله من تقدمنا في ذلك. سواء كان ذلك الغير مشاركا لنا أو غير مشارك في الملة. فإن الآلة التي تصح بها التذكية-أي الذبح- ليس يُعتبر في صحة التذكية بها كونها آلة لمشارك لنا في الملة أو غير مشارك إذا كانت فيها شروط الصحة ... ) ) [1] .
و قوله هذا غير صحيح في معظمه، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأنه ليس واجبا علينا بالضرورة الاستعانة بمن تقدمنا من أهل العلم، فيمكننا الاستغناء بما جاء في الشرع عن ذلك، و البحث عما نريد بجهودنا الخاصة من طرق أخرى. و لا شك أن الشرع قد حثنا على دراسة الماضي و الاعتبار و الانتفاع به، لكن في إطار الضوابط الشرعية، لذا حذرنا الشرع الحنيف من إتباع الذين كفروا من أهل الكتاب و أمثالهم، كقوله تعالى: (( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) )-سورة المائدة: 51 - ، فالشرع ينهانا عن الاهتمام بتراث اليونان و نشره و الدعوة إليه و الانتصار له بدعوى الانتفاع به، لأنه مملوء بالأخطاء و الظنون، و الأهواء و الأباطيل، و الشركيات و الخرافات، اللهم إلا إذا درسه بعضنا دراسة نقدية للرد عليه أو أخذ ما فيه من صواب قليل، و هذا عموما ليس واجبا بالضرورة كما ادعى ابن رشد.
و أما مثال السكين الذي ضربه فلا يصح، لأنه لا مجال للمقارنة بين السكين و الفكر، لأن السكين وسيلة مادية حيادية يستخدمها المؤمن و الكافر على حد سواء، و قد تُستخدم في الخير كما قد تُستخدم في الشر. لكن الأمر يختلف بالنسبة للفلسفة و الأديان و العقائد، فهي أفكار بشرية ليست حيادية، تُعبر عن قناعات و خلفيات و اتجاهات أصحابها، و هي تحمل شرا كما قد تحمل خيرا، أو تجمع بينهما. و مثال ذلك الفلسفة الأرسطية المشائية، فهي فلسفة كثيرة الأخطاء و الأباطيل و الضلالات، مقابل صوابها القليل، فهي في حقيقتها ليست وسيلة حيادية، و إنما هي ديانة أرضية لها إلهياتها و طبيعياتها و منطقها، و أخلاقها و نظامها السياسي، و تتصادم مع دين الإسلام قلبا و قالبا، نصا و روحا، و لا يمكن الجمع بينهما إلا إذا تناقضنا مع ديننا و أنفسنا و حرفّنا النصوص لأرسطة الإسلام خدمة للأرسطية التي هي في الحقيقة لا يتفق معها ذلك التحريف و
(1) نفس المصدر، ص: 91.