فهرس الكتاب

الصفحة 201 من 232

نعم لا يُترك الشيء النافع بطبعه لأمر طارئ فيه بالعرض، لكن قياس ابن رشد لا يصح، لأن الفلسفة الأرسطية التي يُؤمن بها، و يدعوا إليها و ينتصر لها، هي فلسفة ضررها كبير و كثير جدا، و نفعها و صوابها قليل جدا، لأن ضررها أصل أصيل في ذاتها و لم يأتها عرضا. فهي فلسفة باطلة إلهياتها، و الغالب على منطقها و طبيعياتها عدم الصحة، و هذا أمر سبق أن أثبتناه بعشرات الشواهد و الأدلة الشرعية و العقلية و العلمية. فهل فلسفة هذا حالها يصح أن يُقال فيها: إن ضررها بالعرض لا بالذات؟!. إن هذا الرجل-أي ابن رشد- بموقفه هذا إما أنه لم يكن بمقدوره معرفة تلك الفلسفة الزائفة على حقيقتها، و إما انه كان بمقدوره معرفتها على حقيقتها إلا أن تعصبه المذهبي أبعده عن ذلك، و إما جمع بين الأمرين معا. علما بأن معرفة زيف تلك الفلسفة لا يستلزم الانتظار إلى ظهور العلوم و الحديثة، فقد كان بمقدوره أن يعرف زيفها لو كان متحررا من التعصب المذهبي، و متبعا للمنهج العلمي الصارم، و مُحتكما للنقل الصحيح و العقل الصريح.

و أما رأيه بأنه لا يصح أن نمنع دراسة الفلسفة من أجل أن (( قوما من أراذل الناس قد يُظن بهم أنهم ضلوا من قبل نظرهم فيها. مثل من منع العُطاش من شرب الماء البارد العذب حتى ماتوا من العطش لأن قوما شرقوا به فماتوا. فإن الموت عن الماء بالشرق أمر عارض، و عن العطش أمر ذاتي ضروري ) ) [1] .

و رأيه هذا غير صحيح، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأنه أولا فقد أصبح من المؤكد أن الفلسفة الأرسطية- و هي التي ينتصر لها ابن رشد- بطلانها و ضررها في ذاتها، و ليس بأمر خارج منها. و أن الذين تضرروا منها ليسوا من أراذل الناس و إنما أصحابها الممثلون لها هم أول من تضرر بها من أرسطو إلى ابن رشد و من جاء بعده من الأرسطيين. فهم أول ضحاياها، فأفسدت عليهم إلهياتهم و منطقهم و معطم طبيعياتهم. و هذا الضرر هو بالضرورة، فكل من آمن بتلك الفلسفة أصابه ضررها، و ابن رشد نموذج شاهد على ذلك، فهذا الرجل من بداية كتابنا هذا إلى موضعنا هذا و نحن نسرد في أخطائه و انحرافاته التي لم تنته بعد، بسبب إيمانه بالأرسطية التي ملكت عليه عقله و قلبه و عاطفته، فأفسدت عقيدته و فكره، و أبعدته عن الشرع و جعلته مُحرفا عنه.

و نحن لا نقول أن كل من يدرس الأرسطية يتضرر بها، و إنما نقول كل من آمن بتلك الفلسفة الزائفة و اعتقد صحتها و صدقها فإنه تضره و تُفسد فكره و سلوكه على قدر إيمانه بها و بُعده عن الشرع. و أما من درسها دراسة نقدية بحصانة إيمانية قوية فلا تضره، و يخرج منها منتصرا قويا أشد إيمانا بدينه، و أكثر قوة و عزيمة و احتقارا لتلك الفلسفة الظلامية الزائفة.

و أما المثال الذي ذكره في المقارنة بين منع الماء عن العطشانيين لأن قوما شرقوا عندما شربوا الماء، و منع دراسة الفلسفة لأن قوما من الأراذل تضرروا بها. فهو مثال لا يصح ذكره، لأنه لا مجال

(1) نفس المصدر، ص: 95.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت