عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )) -سورة المائدة: 3 - . فالمسلمون ليسوا مُضطرين أبدا إلى كتب اليونان التي زعم أبن رشد وجوب دراستها، و ليس لفلسفة اليونان ما تقدمه لنا -في الغالب- إلا الظنون و الأهواء، و الخرافات و الشركيات، و ما فيها من حق قليل فيمكننا الاستغناء عنه بما ورد في الشرع، و بالبحث عنه بمجهوداتنا الذاتية. و حتى إذا افترضنا أننا أخذنا ذلك القليل من اليونان و غيرهم، فسنأخذه مُنفصلا عن فلسفتهم، و نضعه في مكانه الصحيح، و نحن أولى به من كل الناس، لأن ذلك الحق هو جزء من كتاب الله المنظور-أي العالم- الذي سخره الله تعالى للإنسان و أمره باكتشافه و الانتفاع به. فأين الوجوب المزعوم؟.
و ثالثا إن رسول الله -عليه الصلاة و السلام- قد ربى الصحابة و علّمهم و بيّن لهم ما ينفعهم في دينهم و دنياهم و لم يأمرهم بوجوب الإطلاع على كتب المتقدمين من اليهود و النصارى و غيرهم، و لا أوجب عليهم ذلك، و قد نهاهم عن الأخذ عن أهل الكتاب [1] ، و على نهجهم سار التابعون و السلف الصالح، و لم نسمع أن أحدا منهم أفتى بوجوب دراسة كتب الفلسفة. و الغريب في الأمر أن ابن رشد لم يقل بالجواز و لا بالإباحة ولا بالاستحسان، و إنما قال بالوجوب، و هذا من غرائب فتاوى ابن رشد الفقيه الفيلسوف الأرسطي المشائي!!.
و يُلاحظ عليه أيضا أنه عندما دعا إلى النظر في كتب الفلاسفة و عرضها على الحق، لم يُحدد الميزان الذي نزن به، و المنطلق الذي ننطلق منه، أهو الشرع الحكيم، أم العقل الفطري، أم الفلسفة الأرسطية. لكن الأمر واضح وضوح الشمس أن معيار الحق و ميزانه هو الفلسفة الأرسطية، و لا الشرع و لا العقل، لأن الرجل كان يعتقد أن تلك الفلسفة هي الحق المبين الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. و بذلك تحكم هذه الفلسفة على نفسها بالحق و على ما يُخالفها من الشرع و العقل بالبطلان، و هذه مُغالطة من ابن رشد، و تلبيس على القراء!!.
و رابعا إن احتجاجه بمقصد المتقدمين لا يصح القول به و لا الاحتكام إليه. لأن كل أهل العلم -قديما و حديثا- يقولون أن مقصدهم مما يقومون به هو طلب الحق و العلم، و هذا ليس حجة على أنهم على صواب و كلامهم حق. و الصواب هنا هو أن نتمسك بالحق الذي ذكره الشرع، و حكم بصدقه العقل الصريح و العلم الصحيح، و لا دخل هنا للمقاصد و النوايا، فنوايا فلاسفة اليونان شيء، و فلسفتهم شيء آخر.
و أما رأيه في أن الضرر الذي لحق بعض من اشتغل بالفلسفة هو ضرر من خارجها، لأن (( الضرر الداخل من قبلها هو شيء لحقها بالعرض لا بالذات، و ليس يجب فيما كان نافعا بطباعه و ذاته أن يُترك لمكان مضرة موجودة فيه بالعرض ) ) [2] .
(1) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، ج 3 ص: 551.
(2) ابن رشد: فصل المقال، ص: 94.