فهرس الكتاب

الصفحة 167 من 232

من الظنون و الأهواء. و أما الثاني فلا يُشير إلى ذلك مباشرة و صراحة، و إنما يعني أنها اتخذت الإنسان مرجعا لها بكل مكوناته و نزاعاته، و قدراته و أهوائه، و وظنونه و خيالاته، و خرافاته و معقولاته ... فهذه المعطيات هي التي صاغت فكر أرسطو، فجاءت فلسفته تعبيرا صادقا عن ذلك، و هذا أمر قد سبق أن أثبتناه بالأدلة الصحيحة و البراهين الدامغة بأن فلسفة أرسطو -التي تبناها ابن رشد- مليئة بالظنون و الأهواء، و الخرافات و التخمينات، و الأخطاء العلمية و الانحرافات المنهجية، الأمر الذي يُثبت أن الأوصاف التي أطلقها الجابري لا تنطبق على تلك الفلسفة.

و ثالثا إن قوله بأن ابن رشد اتبع طريقة أرسطو التي تنطلق من المحسوس إلى المعقول، فهو قول مبالغ فيه، و لا يصح على إطلاقه، و ينطوي على النغليط و التدليس، لأن أصول فلسفة أرسطو في حقيقتها ظنية خيالية وهمية، و قسم كبير منها خرافي أسطوري، و هذا أمر سبق بيانه و إثباته. فأين حكاية المحسوس في هذا الجانب من فلسفته كالذي يتعلق بالإلهيات؟!. علما بأن الاعتماد على المحسوس و الانتقال إلى المعقول، يمثل جانبا فقط من فلسفة أرسطو، و هو ليس خاصا بابن رشد و أصحابه، و إنما هو يشمل أيضا كل أهل العلم دون استثناء، مع الاختلاف في درجة الالتزام به، و حسب طبيعة الموضوع المدروس. لأنه لا علم دون ثوابت و حقائق و براهين، فإذا كان العلم نظريا قام أساسا على بديهيات العقول و ما يُستنتج منها و من الطبيعة من حقائق. و إذا كان علما ماديا تجريبيا فهو يقوم على بديهيات العقول من جهة، و على المحسوسات من جهة أخرى، و هذا أمر يصدق على كل علم حقيقي.

ثالثا: نقد موقف ابن رشد من الجدل و الاستقراء وقياس التمثيل:

نظر ابن رشد إلى الجدل و الاستقراء و قياس التمثيل نظرة مذهبية أرسطية مشائية، فبقدر ما أعلى من مكانة و قيمة قياس الشمول الأرسطي، فإنه أحط من قيمة تلك طرق الاستدلالية، فما هي تفاصيل مواقفه منها؟.

فبالنسبة للجدل فإن معناه عند الفلاسفة المسلمين هو (( القياس المؤلف من المشهورات و المسلمات، و الغرض منه إلزام الخصم و إفحام من هو قاصر عن إدراك مقدمات البرهان ) ) [1] .و هذا الجدل ذمه ابن رشد و ازدراه، و حطّ من مكانة أهله، فذمهم و وصفهم بأنهم من الذين في قلوبهم زيغ، المذكورين في القرآن الكريم [2] . و هم يأتون في المرتبة الثانية -بعد أهل البرهان الذين يحتلون المرتبة الأولى- من بين أصناف الناس حسب التقسيم الرشدي المشائي، و جدالهم غير مضمون الصدق لأنه يرد على الآراء المخالفة له بالأقاويل المشهورة التي لا يُؤمن أن تنطوي على

(1) الشريف الجرجاني: التعريفات، ص: 74.

(2) ابن رشد: الكشف، ص: 148. و تهافت التهافت، ص: 81، 82.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت