قام به ابن تيمية في رده على المنطق الأرسطي في كتابه الرد على المنطقيين و غيره، و أظهرت سبقه للغربيين في انتقاده لذلك المنطق على أسس علمية صحيحة، و تجاوزه له، و طرحه للبديل الشرعي الصحيح [1] .
و بناء على ذلك فلا يحق للجابري أن يغفل هؤلاء و يُصدر حكمه العام، فإذا كان الفلاسفة المشاؤون سلبيين انهزاميين تجاه منطق شيخهم أرسطو فلا يصح إغفال علماء المسلمين الذين ردوا على ذلك المنطق علميا و عمليا.
و أما تنويهه بالمنطق الصوري بأنه هيمن على العقل البشري إلى القرن 18 م، فهو قول بينا أنه ليس حكما عاما، فإن صدق على الغربيين فلا يصدق على كل علماء المسلمين. كما أن سيادة ذلك المنطق و هيمنته على العقل الإنساني قرونا عديدة، ليس هو مما يُنوّه و يُفتخر به - إن أراد الجابري ذلك-، فهو مما يُؤسف له، و دليل على سلبية الفلاسفة المشائين و انهزاميتهم تجاه منطق أرسطو و فلسفته عامة. فلو تفرّغ ناقد مجتهد مطلق مُتحرر من قيود التقليد المذهبي لنقد الفلسفة الأرسطية، و تسلّح بالنقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، لنسفها من أصولها نسفا، و ما ترك من أصولها قائمة، و لتم له ذلك في العصر الإسلامي قبل الثورة العلمية الحديثة. و هذا ما فعله بعض علماء الإسلام كالشيخ تقي الدين ابن تيمية، فقد قدم لنا أعمالا نقدية عميقة في نقد الفلسفة اليونانية عامة و المشائية خاصة، نجدها في كثير من مؤلفاته، كالرد على المنطقيين، و بُغية المرتاد، و درء تعارض العقل و النقل، لكن أعماله هذه لم تجد من يُكملها و يهتم بها الاهتمام الكبير الذي تستحقه، و وجدت من جهة أخرى إهمالا و اعتراضا و مطاردة من طوائف كثيرة من المسلمين [2] .
و ثانيا إنه لا يصح وصف فلسفة أرسطو بأنها علمية برهانية عقلية، فهذه الأوصاف المطلقة هي من المغالطات و التدليسات، لأن حقيقة هذه الفلسفة هي أنها فلسفة خليط من الظنون و الأوهام، و الحقائق و الأباطيل و الأخطاء و الاحتمالات، و الخرافات و المنطقيات، و الأهواء و المعقولات. ففلسفة هذا حالها لا يصح أبدا وصفها بتلك الأوصاف، و لا الزعم بأنها جعلت العقل مرجعا وحيدا لها، فهذا وصف مُبالغ فيه و لا يصح على إطلاقه، و الصواب هو أن يُقال: إنها فلسفة اتخذت الإنسان مرجعا وحيدا لها. لأن الفرق كبير جدا بين أن يكون العقل مرجعها الوحيد، و بين أن يكون الإنسان مرجعها الوحيد، فالأول يُشير إلى أنها قامت على الدليل و البرهان العقليين المجردين
(1) من تلك الدراسات: علي سامي النشار،: المرجع السابق. و محمود يعقوبي: نفس المرجع. و محمد حسني الزين: منطق ابن تيمية، ط الأولى، المكتب افسلامي، بيروت، 1979.
(2) معروف أن ابن تيمية كان له خُصوم كثيرون، و أدخلوه السجن مرارا و طاردوه هو فكره و تلامذته، أنظر مثلا البداية و النهاية لابن كثير.