فهرس الكتاب

الصفحة 130 من 232

أنه لا قيامة و لا معاد، و لا حساب و لا جزاء، و لا جنة و لا نار، لأن الإنسان الفرد العاقل غير موجود، و كيف يُقام له معاد و حساب من دون عقل، و هو مناط التكليف؟؟!!.

و أما قوله بأن ما ذهب إليه صحيح بالوجوب، و أنه من العلم الذي لا سبيل إلى إفشائه هنا، فهو زعم باطل بناه على الظنون و التخمينات، و التخريجات المذهبية الأرسطية، و ليس له فيه دليل صحيح من الشرع و لا من العقل، و إنما هو حديث خرافة. لأننا إذا تدبرنا في ذواتنا تبين لنا أن النفوس المتعددة لا يصح أن يُقال أنها اتحدت في نفس كلية واحدة بعد مفارقتها للأبدان، لأمرين: أولهما ليس لنا دليل صحيح من الشرع و لا من العقل و لا من العلم يدل على أن هذه النفوس الفردية توحّدت -بعد موتها- في نفس كلية واحدة، و من يزعم ذلك هو المُطالب بالدليل و ليس المُنكر له. لأن المُنكر يكفيه أن يقول: إنني أنكره لأني لا أراه، و ليس عندي دليل صحيح يُثبت ذلك من النقل و لا من العقل. لكن المُدعي لذلك ليس لديه إلا الظن و التخمين، و الرجم بالغيب، و القول بلا علم، و أما الدليل الصحيح فلن يظفر به. و أما الأمر الثاني فهو أنه من الثابت منطقيا أن الذوات الفردية المتعددة لا تتوحد لتصبح ذاتا واحدة، لأن التعدد التام المنفصل لا يُساوي واحدا، و لا الواحد المنفصل التام يُساوي أكثر من واحد. فهل شخص واحد يمكن أن يصبح 10 أشخاص؟،و هل 10 أشخاص يمكن أن يصبحوا شخصا واحدا؟. طبعا لا، و هذا هو منطق العقل الطبيعي الفطري، و المُخالف هو المُطالب بالدليل الصحيح لدعم زعمه. و عليه فإن ما يدعيه ابن رشد و أصحابه من أوهام و خيالات حول النفس الكلية الواحدة بدعوى العلم، فما هي إلا ظنون و أهواء و خرافات ليست من الشرع، و لا من العقل، و لا العلم في شيء.

ثانيا: نقد موقف ابن رشد من العقول المفارقة الأزلية:

ساير ابن رشد سلفه أرسطو و أصحابه في موقفهم من العقول المفارقة من حيث وجودها، و طبيعتها ن و دورها في العالم، و علاقتها بالعقل الإنساني [1] . فقال: إن العقول المفارقة أزلية، و هي التي تحرك الأجرام السماوية، و تتصرف في العالم بالتسيير و الإيجاد و الاختراع عن طريق إخراج ما بالقوة إلى الفعل. و الأجرام السماوية خاضعة لتلك العقول من جهة الطاعة و المحبة، و الامتثال لأمرها بالحركة و الفهم عنها [2] .

(1) عي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، ص: 157، 158. و مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند أرسطو، ص: 84، 133، 134.

(2) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 130، 136، 137، 140، 142، 150. و تلخيص الحس و المحسوس، ص: 78، 81.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت