القضية؟. أولهم الباحث محمد جلال شرف، يرى أن ابن رشد أنكر الخلود، و هذا خروج عن أصول الذين الإسلامي [1] . و قوله هذا بناه على أساس أن ابن رشد يقول بخلود النفس الكلية الواحدة بعد مفارقتها للبدن، و لا يقول بتعدد النفوس الفردية بعد موتها. فلا خلود إلا للنفس الكلية الواحدة، و ليس للنفوس الفردية المتعددة. و هذا يعني إنكار للخلود الفردي الذي نصّ عليه دين الإسلام.
و ثانيهم الباحثة زينب محمد الخضيري، فإنها ذكرت أن ابن رشد كان يقول بالنفس الإنسانية الكلية الخالدة التي توَحّدت فيها النفوس الفردية الإنسانية بعد موتها. مما يعني إنكار الخلود الفردي الشخصي للنفس، و خلود النفس الكلية، و هذا يتعارض مع كل العقائد السماوية [2] .
و الثالث هو الباحث عبد المجيد العنوشي، فإنه ذكر أن ابن رشد أورد في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة آيات قرآنية قرر من خلالها خلود النفس الشخصية من وجهة نظر الإيمان و الاعتقاد، خلافا لما قرره في كتابه شرح كتاب النفس الذي لم يقل فيه بالخلود الفردي، و إنما أقر فيه (( بالخلود للنوع البشري عامة، و بالخصوص لعقله الفعال، أي للعقل الكلي بالنسبة إلى الإنسانية جمعاء ) ) [3] .
و الرابع هو الباحث أوليفر ليمان، إنه ذكر أن ابن رشد كان يرى أنه ليس ثمة مجال للتفكير في الخلود الفردي للروح، أو لأي جزء منها، و إنما يتمثل الخلود في نوع من الخلود الكلي الشامل حيث يتلاشى الفرد ليُشارك في خلود النوع الإنساني [4] .
و آخرهم -أي الخامس- هو الباحث أوديرا أوروكا، إنه يرى أن ابن رشد جاء بصياغة جديدة لأرسطو، فأنكر (( خلود النفس الفردية و أثبته للعقل الفعال ) ) [5] .
و بذلك يتبين أن ما فهمناه من كلام ابن رشد في رده على الغزالي ليس فهما خاصا بنا، و لا تحريفا لكلامه. و إنما هو فهم واضح جلي من قوله، وافقنا عليه طائفة من الباحثين المعاصرين، من أن ابن رشد أنكر الخلود الفردي للنفس البشرية، و أثبت الخلود الكلي للنفس الإنسانية الواحدة. فماذا يعني هذا؟.
إنه يعني أن ابن رشد مُتناقض مع نفسه عندما قال: إن المعاد الأخروي واجب الإيمان به كافر من أنكره؛ ثم عاد و أنكر خلود النفوس الفردية بعد موتها، و جعلها نفسا كلية واحدة مُتحدة خالدة!!. و كنا قد ذكرنا سابقا أن ابن رشد قال يأزلية العالم و أبديته، فكيف يكون المعاد الأخروي بما أن العالم لا ينتهي، و الشرع قد ربط المعاد بفناء العالم؟!. و كيف يكون المعاد الأخروي إذا كانت النفوس الفردية تختفي و تظهر بدلها نفس كلية أزلية واحدة؟، و أين النفوس التي تُحاسب يوم القيامة؟، و لمن تُوضع الموازين يوم القيامة؟، و من الذي يدخل إلى الجنة، و من الذي يدخل إلى النار، بما أن النفوس الفردية تختفي؟،و ما ذا نفعل بالنصوص الشرعية الكثيرة جدا التي أكدت على المعاد الأخروي الفردي للنفوس بحكم أن (( كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ ) )-سورة المدّثر: 38 - ؟، و هل يبقى بعد ذلك معاد أخروي؟، و أليس زعمه هذا هو إنكار صريح لأمر معروف من الدين بالضرورة؟، فهل نترك كلام الله و رسوله، و نتبع أوهام و خرافات ابن ر شد في خلود النفس الكلية المزعومة؟.
إنه ظاهر التناقض مع نفسه، سيرا على طريقته في ازدواجية الخطاب في تعامله مع جمهور المسلمين و الفلاسفة، فهو مقتنع بهذه الطريقة مُتعمد في استخدامها. و حقيقة موقفه السابق هو إنكار للمعاد الأخروي أصلا، فلا قيامة و لا حساب، و لا جزاء و لا عقاب، و لا جنة و لا نار. و هو خروج سافر عن الدين، لأنه إنكار لمعلوم من الدين بالضرورة , و أما ما قاله عن المعاد الأخروي المادي و الروحي السابق ذكره، فهو من باب حكاية ما قاله الشرع و أهل العلم في ذلك الموضوع، و هو يندرج أيضا في خانة التدليس و التغليط، و إزدواجية الخطاب التي عُرف بها ابن رشد!.
و هل معنى ذلك أن الرجل كان منكرا حقا للمعاد الأخروي الذي هو أصل من أصول عقائد دين الإسلام؟، نعم إنه ترجّح عندي بأنه أنكر ذلك، بدليل الشواهد الآتية: أولها إنه قال بخلود النفس الكلية الواحدة، لم يقل بخلود النفس الفردية، و هذا يستلزم إنكار المعاد كله، لأن المعاد لا يكون إلا بوجود النفوس الفردية. و ثانيها إنه بما أن ابن رشد كان أرسطيا إلى النخاع متعصبا لأرسطو مغاليا فيه، و يأخذ بمذهبه، و هذا الرجل-أي أرسطو- لم يكن يعرف جنة و لا نار، و قال بخلود العقل الكلي الواحد عندما تُفارق العقول الفردية أبدانها [6] ، فابن رشد على مذهبه.
و الشاهد الثالث إنه سبق أن ذكرنا أن ابن رشد قال بأزلية العالم و أبديته و خلوده، و بما أنه كذلك فلا توجد قيامة و لا معاد، و لا جنة و لا نار، لأن الشرع أكد على أنه لا قيامة إلا بعد فناء هذا العالم الذي نعيش فيه، و بما أن ابن رشد زعم أنه لا نهاية لهذا العالم، فهذا يعني أنه لا قيامة و لا معاد!!.
و الشاهد الأخير-أي الرابع- مفاده أن ابن رشد قال بالعقل الإنساني الكلي الواحد، و ذلك أن العقول بعد مفارقتها للأجساد تلتحق بالعقل الفعال لتكوّن العقل الإنساني الكلي [7] . و معنى ذلك
(1) دافيد سانت لانا: المذاهب اليونانية في العالم الإسلامي، حققه محمد جلال شرف، دار النهضة العربية، بيروت، 1981، مقدمة المحقق ص: 10
(2) زينب الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، ص: 333.
(3) مراد وهبة: ابن رشد و التنوير، ص: 248.
(4) مراد وهبة: ابن رشد و التنوير، ص: 54.
(5) أوديرا أوروكا: العقل و الفعل في إفريقيا، مجلة ابن رشد اليوم، القاهرة، العدد الأول، 1997، ص: 16.
(6) مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند أرسطو، ص: 84.
(7) زينب الخضيري: أثر ابن رشد في فلسفة العصور الوسطى، ص: 331.