كان فيه في الحياة الأولى، لأن بدنه تحلل إلى عناصر مختلفة، ربما صار بعضها جزءا من بدن إنسان آخر، فيكون مُتعذرا أن يعاد بدن كل منهما كاملا [1] .
و قولهم هذا لا دليل صحيح لهم فيه من الشرع و لا من العقل، و إنما هو قول لازم لهم بناء على مذهبيتهم الأرسطية الباطلة. و هو زعم قال به كفار كثيرون، و قد حكاه عنهم الله تعالى في قوله عز و جل: (( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) )-سورة يس: 78 - 79 - ، و (( وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) )-سورة الواقعة: 47 - . و قد رد عليهم الله تعالى برد مُفحم، فهو سبحانه فعال لما يريد، إذا أراد شيئا فإنه يخلقه من شيء و من لا شيء.
و ليس من العقل و لا من العدل أن يعيش الإنسان على وجه الأرض، بجسمه و عقله و روحه، و بإيمانه و كفره، و بأفعاله الخيّرة و الشريرة، ثم هو يوم القيامة لا يُحاسب و لا يُجازى، و لا يُنعّم و لا يُعاقب إلا الجانب الروحي منه فقط، و يُلغى الجانب المادي منه. فهذا مُستبعد عقلا، و ليس من العدل أيضا، لأن تمام العدل أن يُحاسب و يُجازى على كل أحواله و أفعاله المادية و الروحية معا. و هذا هو عين الحق و العدل، الذي نصّ عليه الشرع الحكيم، و يقول به العقل الفطري الصريح.
و بما أن ابن رشد قال بالمعاد الأخروي، و مال إلى القول بالروحي منه، دون المادي و الروحي معا. فما هو موقفه من مصير النفوس الإنسانية بعد مفارقتها للجسد؟،و كيف يكون حالها؟، و أين يكون مستقرها النهائي؟.
إنه-أي ابن رشد- عندما ذكر أن أبا حامد الغزالي انتقد قول أفلاطون في النفس الإنسانية بأنا واحدة قديمة، تعددت في الأبدان، فإذا فارقت الأجسام-عند وفاتها- فقدت فرديتها، و عادت إلى أصلها الكلي الواحد. ردّ عليه ابن رشد منتصرا لرأي أفلاطون و قائلا به، فكان مما قاله: (( أما زيد فهو غير عمرو بالعدد، و هو و عمرو واحد بالصورة و هي النفس ... فإذا كانت النفس ليس تهلك إذا هلك البدن، و كان فيها شيء بهذه الصفة، فواجب إذا فارقت الأبدان أن تكون واحدة بالعدد، و هذا العلم لا سبيل إلى إفشائه في هذا الموضوع ) ) [2] .
و معنى كلامه أن النفوس الإنسانية عندما تُفارق أجسادها عند موتها، تصبح بالضرورة نفسا كلية واحدة من حيث العدد و تفقد فرديتها. فما موقف أهل العلم من رأي ابن رشد من هذه
(1) ابن تيمية: درء التعارض، ج 7 ص: 384. و محمد يوسف موسى: المرجع السابق، ص: 221.
(2) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 60.