فهرس الكتاب

الصفحة 128 من 232

كان فيه في الحياة الأولى، لأن بدنه تحلل إلى عناصر مختلفة، ربما صار بعضها جزءا من بدن إنسان آخر، فيكون مُتعذرا أن يعاد بدن كل منهما كاملا [1] .

و قولهم هذا لا دليل صحيح لهم فيه من الشرع و لا من العقل، و إنما هو قول لازم لهم بناء على مذهبيتهم الأرسطية الباطلة. و هو زعم قال به كفار كثيرون، و قد حكاه عنهم الله تعالى في قوله عز و جل: (( وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ ) )-سورة يس: 78 - 79 - ، و (( وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَئِنَّا لَمَبْعُوثُونَ ) )-سورة الواقعة: 47 - . و قد رد عليهم الله تعالى برد مُفحم، فهو سبحانه فعال لما يريد، إذا أراد شيئا فإنه يخلقه من شيء و من لا شيء.

و ليس من العقل و لا من العدل أن يعيش الإنسان على وجه الأرض، بجسمه و عقله و روحه، و بإيمانه و كفره، و بأفعاله الخيّرة و الشريرة، ثم هو يوم القيامة لا يُحاسب و لا يُجازى، و لا يُنعّم و لا يُعاقب إلا الجانب الروحي منه فقط، و يُلغى الجانب المادي منه. فهذا مُستبعد عقلا، و ليس من العدل أيضا، لأن تمام العدل أن يُحاسب و يُجازى على كل أحواله و أفعاله المادية و الروحية معا. و هذا هو عين الحق و العدل، الذي نصّ عليه الشرع الحكيم، و يقول به العقل الفطري الصريح.

و بما أن ابن رشد قال بالمعاد الأخروي، و مال إلى القول بالروحي منه، دون المادي و الروحي معا. فما هو موقفه من مصير النفوس الإنسانية بعد مفارقتها للجسد؟،و كيف يكون حالها؟، و أين يكون مستقرها النهائي؟.

إنه-أي ابن رشد- عندما ذكر أن أبا حامد الغزالي انتقد قول أفلاطون في النفس الإنسانية بأنا واحدة قديمة، تعددت في الأبدان، فإذا فارقت الأجسام-عند وفاتها- فقدت فرديتها، و عادت إلى أصلها الكلي الواحد. ردّ عليه ابن رشد منتصرا لرأي أفلاطون و قائلا به، فكان مما قاله: (( أما زيد فهو غير عمرو بالعدد، و هو و عمرو واحد بالصورة و هي النفس ... فإذا كانت النفس ليس تهلك إذا هلك البدن، و كان فيها شيء بهذه الصفة، فواجب إذا فارقت الأبدان أن تكون واحدة بالعدد، و هذا العلم لا سبيل إلى إفشائه في هذا الموضوع ) ) [2] .

و معنى كلامه أن النفوس الإنسانية عندما تُفارق أجسادها عند موتها، تصبح بالضرورة نفسا كلية واحدة من حيث العدد و تفقد فرديتها. فما موقف أهل العلم من رأي ابن رشد من هذه

(1) ابن تيمية: درء التعارض، ج 7 ص: 384. و محمد يوسف موسى: المرجع السابق، ص: 221.

(2) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت