البقرة: 25 - ، و (( وَعَدَ الله الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا هِيَ حَسْبُهُمْ وَلَعَنَهُمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ ) )-سورة التوبة: 68 - ، و (( فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ ) )-سورة البقرة: 24 - ، و (( يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لأَنفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ ) )-سورة التوبة: 35 - . فهذه الآيات- وغيرها- أدلة قطعية دامغة بوجود المعادين المادي و الروحي يوم القيامة، لكن ابن رشد أغفلها و اتخذ ذلك الموقف الباطل الذي مسك فيه العصا من وسطها، و اعتذر للفريقين المتنازعين و سوى بين موقفيهما من حيث الضعف و القوة، من دون أن يذكر موقف الشرع الحقيقي، و من ثم موقف الفريق المصيب الموافق للشرع.
و أما موقفه الحقيقي فهو لم يُفصح عنه صراحة في كتابيه فصل المقال، و الكشف عن مناهج الأدلة، و أخفاه من خلال ذكره لاختلاف أهل العلم حول تلك القضية من دون أن يذكر رأيه، أو يُرجح أحد الرأيين على الآخر. لكن الشيخ تقي الدين ابن تيمية يرى أن ابن رشد كان مُظهرا للوقف في مسألة معاد الأبدان، و مسوغا للقولين القائلين بالمعاد الروحي و المادي. و إن كان في باطنه أميل إلى سلفه الفلاسفة القائلين بالمعاد الروحي فقط [1] . و رأيه هذا يُرجحه امتناع ابن رشد من الإفصاح عن موقفه، و عدم الترجيح بين الرأيين في كتابيه السابقين.
و ذهب الباحث محمد يوسف موسى إلى القول: إن ابن رشد كان يرى أن المعاد الأخروي سيكون روحيا فقط [2] .و رأيه هذا هو الراجح عندي لأمرين، أولهما إن ابن رشد كان على مذهب سلفه من الفلاسفة المشائين المدافع عنهم و المنتصر لهم، فمن المُستبعد جدا أن يُخالفهم في قولهم بالمعاد الروحي دون المادي. و ثانيهما إنه من الراجح جدا أن ابن رشد لو كان يقول بالمعادين الروحي و المادي معا ما أخفى موقفه، لأنه هو الموقف الصحيح الموافق للشرع، و لِمَا يعتقده معظم المسلمين، و الذي ذكره يُناسب كتابي الفصل و الكشف العامين الموجهين للجمهور. و من ثم فلا يجد ابن رشد أي حرج في ذكره و الانتصار له، لكنه يجد عكس ذلك لو قال بالمعاد الروحي دون المادي، لأنه يُخالف الشرع و جمهور المسلمين، و لا يستطيع الانتصار له صراحة في كتبه العامة، و هذا هو الذي حدث فعلا، فبما أنه لم يقل بالمعادين و رجّح القول بالروحي فقط أخفاه و لم يُظهره.
و أما لماذا أنكر الفلاسفة المشاؤون المعاد الجسماني-أي المادي-، فهم أنكروه بناء على قولهم بأزلية العالم، و عدم الخلق من عدم، بدعوى أنه من المحال أن تعود روح كل إنسان إلى بدنه الذي
(1) ابن تيمية: منهاج السنة النبوية، ج 1 ص: 356.
(2) محمد يوسف موسى: بين الدين و الفلسفة، ص: 223.