نخصص هذا المبحث لنقد موقف ابن رشد من السنة النبوية، من حيث مكانتها عنده كمصدر أساسي للتشريع بعد القرآن الكريم من جهة؛ و مدى استخدامه لها، و كيفية تعامله معها من جهة أخرى. فبخصوص مكانة السنة النبوية عنده، فيُلاحظ عليه قلة اهتمامه بها [1] ،و إغفاله لها في مواضع يستدعي المقام ذكرها و الاحتكام إليها، و الالتزام بها [2] . و الدليل على ذلك أنني لم أعثر له - في كتبه الكلامية و الفلسفية- على ما يدل على اهتمامه بالسنة و الإعلان من شأنها، و الدعوة إلى الاحتكام إليها، و إنما عثرت على ما يُوحي إلى عكس ذلك؛ أذكر منه نصين من أقواله، أولهما إنه عندما ذكر الطرق التي استخدمها الشرع في تعليم مختلف فئات الناس قال: إنها هي الطرق التي (( تثبت في الكتاب فقط، فإن الكتاب العزيز إذا تُؤمل وُجدت فيه الطرق الثلاث الموجودة لجميع الناس ) ) [3] .
و قوله هذا ناقص من جانبين، الأول إنه نصّ على الكتاب و أغفل السنة النبوية بطريقة تُوحي و كأنه يُخرج السنة من أن تكون مصدرا يجب الاحتكام إليه، و ذلك عندما قال: (( الكتاب فقط ) )!. و الجانب الثاني أنه أغفل طرق الخطاب و الإقناع الكثيرة التي استخدمها رسول الله-عليه الصلاة و السلام- في دعوة الناس إلى دين الإسلام، إنه استخدم طرقا كثيرة جدا، في رده على شبهات المشركين و اليهود و النصارى، و مجادلته لهم بما يُفحمهم و يُبطل مزاعمهم، و أمره بأن يُجادلهم بالتي هي أحسن. كما أنه استخدم طرقا أخرى في تربيته للمسلمين و الرد على تساؤلاتهم. و هذه الطرق مبثوثة في كتب السنة و السيرة و المغازي و التاريخ، كان عليه أن يرجع إليها للاستفادة منها.
و أما النص الثاني فمفاده أن ابن رشد عندما استنكر ما وصل إليه المسلمون -بعد الصحابة- من اختلاف و تفرّق و كراهية بسبب استخدامهم للتأويل، قال: (( فيجب على من أراد أن يرفع هذه البدعة عن الشريعة أن يعمد إلى الكتاب العزيز، فيلتقط منه الاستدلالات الموجودة في شيء مما كُلفنا اعتقاده ... ) ) [4] .
و قوله هذا ناقص هو أيضا، لأن الشرع كلفنا و أمرنا صراحة بالرجوع إلى الكتاب و السنة معا، و ليس إلى الكتاب وحده، و لا إلى السنة وحدها، التي هي أيضا مليئة بطرق الدعوة و
(1) قنا: قلة اهتمام، و لم نقل: أنكر السنة، أو أهمل السنة نهائيا.
(2) سنذكر نماذج من ذلك قريبا، إن شاء الله تعالى.
(3) ابن رشد: فصل المقال، ص: 123.
(4) نفس المصدر، ص: 124.