و قد ناقشناه فيما ادعاه، و بينا خطأه في تأويله للشرع، و في موقفه الفلسفي من وجود الشر على الأرض.
انتقد ابن رشد المتكلمين بأنهم استخدموا ألفاظا بدعية في الشرع، كالقدم و الحدوث، و هذه الألفاظ تُوقع في (( شبهة عظيمة تُفسد عقائد الجمهور، و بخاصة الجدليين منهم ) ) [1] . و قوله هذا فيه حق و باطل، فأما الحق فهو انتقاده للمتكلمين و استنكاره عليهم استعمال مصطلحات بدعية لم يستعملها الشرع، مع أنه يُمكن التعبير عنها بمصطلحات شرعية. و أما الباطل فهو زعمه بأن تلك المصطلحات تُفسد عقائد الجمهور بما فيهم الجدليين، و يعني بهم المتكلمين. لأن هذا المحذور يشمل كل الناس دون استثناء، و لا يخص علماء الشريعة دون الفلاسفة مثلا. فبما أن تلك المصطلحات بدعية و يمكن التعبير عنها بالمصطلحات الشرعية، فالمطلوب من كل المسلمين-دون استثناء- استبعادها و تعويضها بالألفاظ و المصطلحات الإسلامية.
و هو في انتقاده -للمتكلمين- وقع في نفس ما انتقدهم فيه، بل و في أخطر مما وقعوا هم فيه. و ذلك أنه تصرّف في معاني بعض الألفاظ الشرعية و اللغوية، كعبارة الخلق، و الخالق، و المخلوق [2] . هذه العبارات فِعلُها: خلق، يخلق، و لها معنيان في الشرع، هما: الإيجاد من مادة سابقة، و الإيجاد من لا شيء [3] . لكن ابن رشد لا يقصد ذلك من استعماله لتلك الألفاظ، لأنه سبق أن بينا أنه يقول بأزلية العالم و أبديته، و ينكر خلق العالم-بعد أن لم يكن- من مادة سابقة أو من لا شيء، و يرى أن الخلق عنده يخص العالم السفلي لا العلوي، و معناه التحوّل من حالة على حالة أخرى، و بمعنى آخر إخراج ما بالقوة إلى الفعل [4] . فهذا المفهوم لمعنى الخلق مُخالف للشرع و اللغة و العلم، و قد سبق تبيان ذلك في الفصل الثاني.
و منها ذلك أيضا استعماله لعبارة الاختراع و المُخترع [5] . و فِعلُها: اخترع، يخترع، و معناها قريب جدا من معنى الخلق، و أحيانا يُطابقه، فمن معانيه: الإيجاد و الإحداث، و الإبداع و الإنشاء [6] . لكن ابن رشد استعمل تلك العبارة بمعنى مُخالف لمعناها الأصلي اللغوي، و قصد به معنى الإيجاد عند المشائين الذي يعني إخراج ما بالقوة إلى الفعل في عالم التكوّن و الفساد في الأرض، و لا علاقة له بالعالم العلوي الأزلي الأبدي عندهم.
(1) ابن رشد: الكشف، ص: 172.
(2) نفس المصدر، ص: 113، 136، 193.
(3) سبق توثيق ذلك.
(4) سبق توثيق ذلك في الفصل الثاني.
(5) ابن رشد: المصدر السابق، ص: 118، 119.
(6) شهاب الدين الجياني: البيان في تفسير غريب القرآن، ط 1، دار الصحابة، القاهرة، 1992، ص: 65.