و أما عقلا فالأمر واضح أيضا، فعندما يُقال: إن فلانا قال كذا و كذا، فنحن نُطالبه بالدليل و البرهان، لأنه ليس معصوما، و قوله يحتمل الخطأ و الصواب. لكننا إذا قلنا: إن الإسلام شريعة الله الخالدة، و وحيه الأخير إلى بني آدم على وجه الأرض، فهذا يعني بالضرورة أنه حق و برهان، من دون الرجوع إلى مصادر معرفية أخرى للبرهنة على برهانية الشريعة.
و هو بما أنه كان يعتقد أن الفلاسفة المشائين هم أهل البرهان و اليقين من جهة، و أنهم يُؤمنون بالشريعة الإسلامية من جهة أخرى، فهذا يعني أنهم آمنوا بها بناء على براهين قامت عندهم على صدق الشريعة، و بما أنها كذلك فهم لا يحتاجون إلى شواهد و براهين من خارجها ليعرفوا وجوب العمل بها!. و إذا أصروا على البحث عن ذلك من خارجها فهذا نقض لإيمانهم الأول بها.
و أما قوله (( يجب أن تُؤخذ تقليدا ) )، فهذا لا يصح شرعا و لا عقلا في حق أهل العلم، لأن التقليد هو أخذ برأي الغير من دون دليل، و هذا أمر مذموم، و تربية على العجز، لم يأمر به الشرع و لا يليق بأهل البرهان و اليقين. فكيف سمح لنفسه بأن وصف نفسه و أصحابه بأنهم يقلّدون الشريعة، و كان قد جعلهم من الراسخين في العلم الذين خصّهم الله بالتأويل حسب زعمه؟!.
و ختاما لهذا المبحث يتبين -مما ذكرناه - أن الأسباب العميقة في كثرة أخطاء ابن رشد الاستدلالية تتعلق أساسا بانحرافات منهجه الاستدلالي و نقائصه، كنظرته القاصرة للشرع و طرق الاستدلال، و مبالغته في تعظيم المنطق الصوري و غلوّه فيه.
بالغ ابن رشد مبالغة شديدة في موقفه من أرسطو، و غالى فيه غلوا كبيرا حتى خرج عن حدود الشرع و العقل معا. فما هي تفاصيل ذلك؟،و ما هي الانتقادات الموجهة إليه في غلوه هذا؟. إنه وصف [1] أرسطو بأنه الحكيم الأول [2] . و أنه لم يُقصّر في موقفه من هالة الشمس و القمر، فهكذا ينبغي أن (( يُفهم الأمر عن أرسطو في هذه الأشياء، لا أنه قصّر قي ذلك و ترك شيئا يجب ذكره في هذا العلم و لا في غيره. فسبحان الذي خصّه بالكمال الإنساني، و كان المُدرَك عنده بسهولة، هو المُدرَك عند الناس بعد فحص طويل و صعوبة كثيرة. و المُدرك عند غيره بسهولة خلاف المدرك عنده. و لذلك كثيرا ما ينشأ للمفسرين شكوك على أقاويل هذا الرجل، ثم يتبين بعد زمان طويل صواب قوله، و تقصير نظر الغير، بالإظافة إلى نظره. و بهذه القوة الإلهية التي وُجدت فيه كان هو الموجد للحكمة و المتمم لها. و ذلك شيء يقل وجوده في الصنائع، أي صناعة كانت، فكيف في هذه
(1) سنعتمد في ذلك على كتب ابن رشد أولا، و على مصنفات الرشدييين المتخصصين في ابن رشد عندما يتعذر علينا العثور على بعض أقوله من كتبه مباشرة.
(2) ابن رشد: تهافت التهافت، ص: 220.