فهرس الكتاب

الصفحة 178 من 232

الصناعة العظمى؟. و إنما قلنا أنه الموجد و المُتمم لأن ما سلف لغيره في هذه الأشياء ليست تستأهل أن تُجعل شكوكا على هذه الأشياء، فضلا عن أن تكون مبادئ. و إذ قد تبين هذا، فإذن ليس في أقاويل أرسطو شيء يحتاج إلى تتميم، كما زعم أبو بكر بن الصائغ-ابن باجة-. نعم فيها أشياء كثيرة لم يفهمها هو و لا نحن بعده، و بخاصة في الكتب التي لم تصل غلينا، فيها أقاويل المفسرين. و لذلك كان الواجب عليه أن يستعمل الفحص عن كلامه لا بتلك الأشياء الخارجة عن طريقة التعليم )) [1] .

و من ذلك أيضا أنه -أي ابن رشد- كان يعتقد أن نظر أرسطو فوق نظر جميع الناس [2] .و أنه قال -فيما بعد الطبيعة قولا (( تاما و حل كل الشكوك في لك ) )،و (( رأيه هو الرأي الذي تنفصل عنه جميع الاعتراضات، و تنحل به جميع الشكوك الواقعة في المبادئ ) ) [3] .و إذا كان واجبا على أرسطو شكر من تقدمه مع (( قلة ما كان عند من تقدمه من معرفة الحق، و عِظم ما أتى به من الحق بعدهم و انفرد به، حتى انه كَمُل عنده الحق. فكم أضعاف ... ما يجب على من جاء بعده من شكره و معرفة حقه، و شكره الخاص به، إنما هو العناية بأقاويله و شرحها و إيضاحها لجميع الناس ) ) [4] .

و وصفه بأنه أكبر الناس عقلا، و هو الذي ألف علوم المنطق و الطبيعيات، و ما بعد الطبيعة و أكملها. و سبب قوله هذا هو أن جميع الكتب التي أُلفت في هذه العلوم قبل مجيء أرسطو لا تستحق جهد التحدث عنها. ثم قال: (( نحمد الله كثيرا على اختياره ذلك الرجل-أي أرسطو- للكمال، فوضعه في أسمى درجات العقل البشري، و التي لم يستطع أن يصل إليها أي رجل في أي عصر ) ) [5] و هو أعقل اليونان و واضع علوم المنطق و الطبيعيات، و ما وراء الطبيعة و متممها ... و لا وجدوا خطأ فيها، ... و (( يُوجب تسميته ملكا إلهيا لا بشرا ) )،و إننا نحمد الله حمدا كثيرا لأنه قدّر الكمال لهذا الرجل، و وضعه في درجة لم يبغلها أحد غيره من البشر في جميع الزمان، و ربما كان البارئ مُشيرا إليه لما قال في كتابه (( و الفضل لله يُؤتيه من يشاء ) ) [6] ، و برهانه لهو (( الحق المبين، و يمكننا أن نقول عنه: إن العناية الإلهية أرسلته إلينا لتعليمنا ما يمكن علمه ) ) [7] .

و مذهب أرسطو -عند ابن رشد - هو (( المذهب الذي ترتفع عنه جميع الشكوك المتقدمة التي تلزم الفريقين، مع أنه أمر حق في نفسه، و معروف بما تعرف به الأوائل. فما اشد مطابقة مذهب

(1) ابن رشد: تلخيص الآثار العلوية، ص: 145، 146.

(2) الجابري: ابن رشد، ص: 165 - ، 166.

(3) محمد المصباحي: الوجه الآخر لحداثة ابن رشد، ص: 76.

(4) نفسه، ص: 76، 77. و الجابري: المرجع السابق، ص: 179، 180.

(5) عاطف العراقي: الفيلسوف ابن رشد، ص: 53.

(6) هذه الآية ذكرها بالمعنى، و نصها هو (( ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ ) )-سورة الجمعة: 4 -

(7) فرج أنطون: ابن رشد و فلسفته، ص: 88.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت