أرسطو للحق، و ما أبعد الناس من الفهم عنه في كثير من الأشياء المعروفة بنفسها، فضلا عن المعروفة بغيرها، و الله يُؤتي فضله من يشاء )) [1] .
تلك بعض أقوال ابن رشد المتطرفة و المغالية في موقفه من شخصية أرسطو العلمية، و هي صريحة بأنه ادعى فيه العصمة من الخطأ، و بلوغ الكمال في العلم و الإحاطة به، و وصفه بأوصاف غير بشرية لا يتصف بها إلا نبي، و بعضها لا يتصف بها إلا ملك مُقرّب، عندما ادعى فيه العصمة و بلوغ الكمال الإنساني، و وصفه بأنه ملك إلهي لا بشر. و هذه الأوصاف مصدرها التعصب لأرسطو و تقليده، و قلة العلم و ضعف الإيمان بدين الإسلام. لأن تلك الأوصاف لا تصدر عن مؤمن صادق الإيمان عالم بالشريعة، و عارف بميزان تقويم الرجال و تقييمهم، و الله سبحانه و تعالى يقول: (( وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) )-سورة يوسف: 76 - ، و (( وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا ) )-سورة طه: 114 - ، و (( وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلًا ) )-سورة الإسراء: 85 - ،و قال الرسول-عليه الصلاة و السلام-: (( كل بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) ) [2] . فهذا الرجل-أي ابن رشد- ما كان في مستوى علوم الشريعة، و لا علوم الطبيعة، و لا علوم العمران، لذلك صدرت عنه تلك الأباطيل و الشطحات، و الحماقات و التعصبات المرفوضة شرعا و عقلا و علما و لا مبرر صحيح مقبول لها أبدا.
و ردا عليه أقول: أولا إن زعمه بأن أرسطو موجد الحكمة- الفلسفة- و مُتممها، و أنه أعطي لغيره من أهل العلم أكثر من مما أخذ منهم، هو زعم باطل مُخالف لمعطيات تاريخ الفكر اليوناني و حقائقه، التي تُثبت أن مُعظم أصول فكر أرسطو و فروعه تجد جذورها و مادتها و تفاصيلها في ذلك الفكر. الأمر الذي يعني أن أرسطو لم يُوجد الفلسفة، و أنه أخذ من ذلك الفكر أكثر مما أعطى له، و هذا خلاف ما زعمه ابن رشد، مما يعني أنه إما تعمد التحريف و المبالغة و الغلو، و إما أنه كان يجهل تاريخ الفكر اليوناني و تطوراته، و إما أنه جمع الأمرين معا. و الشواهد الكثيرة و القوية الآتية تُثبت ذلك بما لا يدع مجالا للشك.
أولها يتعلق بالفلسفة و المنطق الصوري عامة، فالفلسفة بمعناها الشامل ليست من إبداعات اليونان، فقد وُجدت عند الكلدانيين و البابليين و المصريين بإلهياتها و طبيعياتها، ثم ازدهرت أكثر عند اليونان قبل أرسطو [3] .و ابن رشد نفسه ذكر أن الحكمة عُرفت قديما عند الكلدانييين ثم بادت [4] .
و أما بالنسبة للمنطق الصوري-الذي هو جزء صغير من العقل الفطري- فجذوره و بداياته كانت واضحة في الفلسفة اليونانية قبل أرسطو. فمن ذلك أن السوفسطائيين عُرفوا بالمعلمين و رجال المعرفة الذين يُعلمون الناس الحكمة، و هي علم الإقناع و البرهان، و التعبير الصحيح، و علم العلوم. فكان لعلمهم هذا بالغ التأثير (( في نمو الفكر المنطقي، و في البحث في الألفاظ، و دلالتها، و القضايا و أنواعها، و في وضع قواعد و شروط البرهان. فالرأي الصحيح بنظرهم هو الذي يمكن أن يُبرهن. أي يُقنع الناس، و برهن تعني أقنع في مذهبهم ) ). و علموا الناس أيضا ممارسة المنطق و المناظرات و الاستدلال، و اكتشاف الخطأ. فساهموا في ظهور المنطق، و كانوا وراء سقراط و أفلاطون و أرسطو في متابعة مهمتهم، و الاعتماد على العقل في أمور الذين و القيم. لكن أفلاطون و أرسطوا ساهما في تشويه مذهب السوفسطائيين، و ساعدهما على ذلك تحوّل المتأخرين منهم إلى مُغالطين و محتالين لأخذ الأموال زمن أفلاطون [5] .
و من ذلك أيضا دور الفيلسوف برمنيدس و سقراط و أفلاطون في نشأنة المنطق الصوري و تطويره، فالأول أهتم كثيرا بالعقل الخالص و بالغ فيه، و أثر إلى حد بعيد في استخراج (( قواعد المنطق الصوري الأرسطي، و خاصة مبدأ الهوية، و مبدأ عدم التناقض ) )، فكان له بذلك تأثير كبير في أفلاطون و أرسطو [6] .و أما سقراط فهو قد اشتغل بالمنطق الصوري عندما كان يرد على السوفسطائيين في إنكارهم لحقائق الأشياء، فكان له دور كبير هام في تأسيس ذلك المنطق، فتكلّم عن اكتساب الحد بالاستقراء، و تركيب القياس من الحدود [7] .
و أما أفلاطون فهو أيضا ساهم بقوة في نشأة المنطق الصوري و تطويره، فاهتم كثيرا بالجدل- هو جزء من المنطق- و بيّن أهميته، و ذكر أن العلم يُبنى على البرهان، و أن الظن مبني على التخمين. و بحث في التصورات العقلية التي تشمل عالم الطبيعة كله، و التي تُفسر الموجودات الجزئية المحسوسة أيضا. و تكلّم في الأجناس و الأنواع، و الطرق التي تُستخدم في الجدل [8] .و هو-أي الجدل- يرتفع بالعقل من المحسوس إلى المعقول، و و هو العلم (( الكلي بالمبادئ الأولى و الأمور الدائمة، يصل غليها العقل بعد العلوم الجزئية، و ينزل به إلى هذه العلوم و يُرتبها بمبادئها، و إلى المحسوسات يُفسّرها ) ) [9] . و أرسطو نفسه اعترف بأن أفلاطون كان له اشتغال بالمنطق فيما يتعلق بالقياس
(1) محمد المصباحي: المرجع السابق، ص: 131.
(2) ناصر الدين الألباني: صحيح وضعيف الجامع الصغير وزيادته، المكتب الإسلامي، بيروت، ج 1 ص: 865، رقم الحديث: 25550.
(3) ابن رشد: تلخيص السماء و العالم، ص: 88. و ماهر جابر محمد: تطور الهندسة و التكنولوجية، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 2006، ص: 27، 28. و مصطفى النشار: مدخل لقراءة الفكر الفلسفي، ص: 91، 131.
(4) ابن رشد: نفس المرجع، ص: 88.
(5) حسين حرب: الفكر اليوناني قبل أفلاطون، ط 1، دار الفكر اللبناني، بيروت، 1990، ص: 89، 90، 94.
(6) نفس المرجع، ص: 70.
(7) عبد الرحمن بيصار: الفلسفة اليونانية، ص: 81.
(8) أميرة حلمي: الفلسفة اليونانية، ص: 178، 179، 180، 252. و عبد الرحمن بيصار: المرجع السابق، ص: 95، 96، 97.
(9) عبد الرحمن بيصار: تأملات في الفلسفة الحديثة و المعاصرة، المكتبة العصرية، بيروت، ص: 179، 180.