فهرس الكتاب

الصفحة 180 من 232

السوفسطائي، و القياس الصحيح [1] . فكان له بذلك تأثير واضح في أرسطو عندما قال بالقياس الصوري [2] .

و أما أرسطو فإن دوره في المنطق الصوري، فقد تمثل في مواصلة تطويره و خدمته، فرتّب مباحثه، و نظّمه كعلم له موضوعه، و بوّبه و فصّله [3] . و أما القول بأنه واضع ذلك المنطق بجملته، و أنه لم يُسبق إليه، فهو قول غير صحيح، لأن أصول ذلك المنطق و مشاكله و مباحثه تعود إلى زمن السوفسطائيين و سقراط و أفلاطون. فعمل أرسطو هو حلقة من حلقات تاريخ المنطق الصوري، و قد جاء المشاؤون بعده و واصلوا خدمته بشرح ما أجمله سلفهم أرسطو [4] . و هم الذين أوصلوه إلى حالته التي هو عليها الآن.

و أما قول المتكلم أبي الفتح الشهرستاني (ت 548 ه) من أن أرسطو أجمل القول في المنطق إجمال الممهدين. و له حق السبق، و فضيلة التمهيد [5] . فهو قول ليس صحيحا على إطلاقه، و فيه إغماط لحق السابقين له، لأن أرسطو ليس هو الذي مهد لظهور ذلك المنطق، و ليس هو الذي أتمه، و إنما الذين أبدعوه و مهدوا له هم الذين سبقوه، و الذين أتموه هم الذين جاؤوا من بعده من أصحابه المشائين. فعمل أرسطو الحقيقي هو التطوير و الجمع و التبويب، و ليس هو مبدعه و لا مكتشفه و لا متممه. و لم يكن له حق السبق و لا فضيلة الإبداع و الإتمام، و هو إذا كان له فضل الجمع و التطوير، فإن لغيره فضل الاكتشاف و التتميم، و للمكتشفين حق السبق أيضا، و ليس ذلك لأرسطو. و مع أن كل هؤلاء ساهموا في خدمة المنطق الصوري، و لهم الفضل في ذلك، فإن المكتشف و المُبدع هو الأكثر فضلا من المُطوّر و المُتمم، لأن الإبداع أصعب من التطوير و التتميم في الغالب الأعم. فالشهرستاني قلب القاعدة، و ابن رشد أغفل الذين سبقوا أرسطو، و زعم أنه هو الموجد للمنطق!.

و أشير هنا إلى أن ابن رشد كما أغفل دور الفلاسفة الذين سبقوا أرسطو، فإنه أغفل أيضا الحكمة الإلهية التي جاء بها الأنبياء قبل أرسطو بعشرات القرون، فهؤلاء هم الذين جاؤوا بالحكمة الحقيقة الكاملة و الشاملة للإلهيات و الإنسانيات، و أصول الطبيعيات، و هم الذين علّموا البشرية التفكير العلمي، و عرّفوهم بالعقائد الصحيحة، و أرشدوهم إلى الأعمال الصالحة، و عن طريقهم انتقلت الحكمة الإلهية -بمعناها الواسع- إلى كثير من شعوب العالم. و عن ذلك يقول الله تعالى: (( وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَن يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ) )-سورة لقمان: 12 - ، و (( وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ ) )- سورة صـ: 20 - ، (( فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا ) )-سورة النساء: 54 - .و الأنبياء كلهم جاؤوا بالحكمة الإلهية قبل أرسطو و بعده، فما كان لابن رشد أن يغفل هؤلاء و يطلق تلك المجازفة!.

و الشاهد الثاني يتعلق بأزلية العالم و قدمه زمانا و مكانا، فإنه قد سبق أن ذكرنا أرسطو و أصحابه من بعده قالوا بأزلية العالم و قدمه زمانا و مكانا. و هذه الفكرة ليست جديدة، و لا هي خاصة بأرسطو، فقد قال بها قبله: الفيلسوف هرقليطس (ق: 5 قم) ،و أكيسينوفان (ق: 5 ق م) ، و لوقيبوس (ق: 5 ق م) ،و أنبادوقليس (ق: 5 ق م) [6] . و قد حكى أرسطو نفسه أن الفلاسفة- الذين سبقوه- قالوا كلهم بأزلية الزمان ما عدا أفلاطون [7] . و فكرة أزلية العالم و قدمه هي حجر الأساس في إلهيات أرسطو، و هي -على بطلانها- ليست من إبداعه، و إنما ساير فيها من سبقه إليها، و حتى إذا كان قد تبناها عن بحث، فهو ليس مُبدعا لها أيضا.

و الشاهد الثالث يتعلق بموضوع بالعناصر الأربعة المُكوّنة للعالم السفلي، و بالعنصر الخامس المُكوّن للعالم العلوي حسب زعم الفلسفة الأرسطية، و قد سبق أن ذكرنا أن أرسطو و أصحابه قالوا بأن العالم السفلي مُكوّن الماء و الهواء، و النار و التراب، و العالم العلوي مُكوّن من عنصر خامس أزلي مُغاير للعناصر السفلية، و هو الأثير. و هذه الفكرة الباطلة، قال بها فلاسفة كثيرون قبل أرسطو، منهم: أبقراط، و أنبادوقليس، و أنكسيمندر، و أنكساغوراس، و الطبائعيون عامة، و أرسطو أخذ فكرة العناصر الأربعة من الطبائعيين [8] .

و أما الشاهد الرابع فيتعلق بالحركة و الأضداد، و الصورة و الهيولى في الطبيعة، من حيث النشأة و التكوّن و الفساد، و هذه الفكرة هي حجر الأساس في فلسفة أرسطو فسّر بها التغيرات التي تحدث في العالم السفلي في إخراج ما بالقوة إلى الفعل، و قد تكلّم عن ذلك في كتابه الكون و الفساد و غير من مصنفاته. لكن هذه الفكرة ليس من إبداعاته و لا من مكتشفاته، فقد سبقه إلي القول بها فلاسفة يونانيون كأنبادوقليس، و هرقليطس، و أنكسيمندر، و أنطيفن، و ديمقريطس [9] .

و الشاهد الخامس يتعلق بالاتجاهين المادي و المثالي في الفلسفة اليونانية، و أرسطو و أصحابه تبنوا الاتجاهين وفق فلسفتهم المشائية الخاصة بهم [10] . لكن الاتجاهين ليسا من إبداعهم، فهما

(1) ابن: تلخيص السفسطة، ص: 16.

(2) علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، ص: 44.

(3) نفس المرجع، 58. و عبد الرحمن بيصار: الفلسفة اليونانية، ص: 124.

(4) الشهرستاني: الملل و النحل، دار المعرفة، بيروت، 1404، ص: 444.

(5) نفسه، ص: 444.

(6) حسين حرب: الفكر اليوناني قبل أفلاطون، ص: 59، 64، 77.

(7) أرسطو: كتاب الطبيعة، ج 2 ص: 810.

(8) أرسطو: كتاب الطبيعة، ج 1 ص: 35. و ابن رشد: رسائل ابن رشد الطبية، ص: 63. و عبد الرحمن بيصار: الفلسفة اليونانية، ص: 55 و ما بعدها. و أميرة مطر: الفلسفة اليونانية، ص: 101. و مصطفى النشار: المرجع السابق، ص: 60 - 61. و علي ابو ريان: المرجع السابق، ص: 27.

(9) أرسطو: كتاب الطبيعة، ص: 98، 94. و حسين حرب: المرجع السابق، ص: 56. و أميرة مطر: الفلسفة اليونانية، ص: 101.

(10) علي أبو ريان: دراسات في الفلسفة القديمة و العصور و الوسطى، دار المعرفة الجامعية، مصر، 1999، ص: 13 ,

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت