موجودان في الفكر اليوناني قيل أرسطو بقرون، فقال بالاتجاه المادي الفلاسفة الطبائعيون، و هريقليطس [1] . و قال بالاتجاه المثالي برمنيدس، و سقراط، و أفلاطون [2] . و جمع أنبادوقليس بين الاتجاهين المادي و المثالي [3] . و أرسطو -في جمعه بين الاتجاهين- كان قد أخذ المثالية عن أستاذه أفلاطون، و أخذ الاتجاه المادي عن الطبائعيين [4] . فأين الإيجاد و الإبداع اللذان جاء بهما أرسطو في هذين الاتجاهين الهامين في الفلسفة العامة؟.
و الشاهد السادس يتعلق بالمعرفة العلمية و مصدرها، فقد تكلم فيها فلاسفة يونانيون قبل أرسطو، ثم تكلم هو فيها من بعدهم، فاتخذ موقفا وسطا بناء على جمعه بين المادية و المثالية، لكنه لم يُبدع فيها و لا أوجد شيئا جديدا حاسما فاصلا في الموضوع، لأنه كان قد سبقه إلى الخوض فيه فلاسفة يونان، كديمقريطس، و بارمنيدس، و سقراط، و أفلاطون [5] .و كان السوفسطائيون من الأوائل الذين تكلموا في موضوع المعرفة العلمية، التي بنوها على الحواس، و حصروا موضوعها في المحسوسات , و كان ديمقريطس يرى أن الإحساس هو المصدر الوحيد للمعرفة [6] . لكن سقراط جعل المعرفة تشمل كل المدركات الحسية و العقلية معا، و جعل العقلية هي الحقيقية، و قد سار على نهجه تلميذه أفلاطون الذي توسع في نظرية المعرفة [7] . و أما أرسطو فهو كعادته، وجد الآراء و النظريات جاهزة، فسار على طريق أستاذه أفلاطون، و استفاد ممن سبقه، و أضاف إلى موقف شيخه اختياراته و اجتهاداته الخاصة [8] . فأين الإيجاد المزعوم؟.
و أما الشاهد السابع فيتعلق بالمنهج التجريبي في دراسة الظواهر الطبيعية و تفسيرها بالعلل المادية. هذا المنهج مارسه أرسطو في كتبه الطبيعية، كما في الآثار العلوية، و السماء و العالم، و طبائع الحيوان، من دون أن يلتزم به التزاما كاملا، و لا مارسه ممارسة صحيحة كاملة [9] . لكن هذا المنهج ليس من ابتكاره و لا من إبداعه، و لا هو أوجده، فقد مارسه الإنسان في الحضارات القديمة بطرق مُختلفة، و بنسب مُتفاوتة، و أبرز مثال على ذلك ما حققه المصريون -زمن الفراعنة- من انتصارات و ابتكارات في مجال الهندسة و الطب و الكيمياء [10] . و أما عند اليونان قبل أرسطو، فقد مارسه فلاسفة كثيرون، منهم: الطبائعيون، و أنبادوقليس، و أنكساجوراس، و أبُقراط [11] .
و الشاهد الثامن يتعلق بعلم الحيوان، فقد كانت لأرسطو معرفة واسعة بعلم الحيوان، و له فيه مصنفات، منها كتاب طبائع الحيوان البحري و البري، لكنه ليس هو الموجد لهذا العلم، و لا المُبدع له، و لا هو البارع فيه، فقد كانت له فيه أخطاء كثيرة جدا، ذكرنا طرفا منها فيما تقدم من هذا الفصل. و من الذين سبقوه إلى هذا العلم: الفيلسوف أنبادوقليس، فقد كانت له معرفة واسعة بعلم الحيوان، و أثر كثيرا في أرسطو الذي أخذ بآرائه المتعلقة بعلم وظائف الأعضاء في الحيوان [12] . و منهم أيضا أفلاطون، فقد كان له إطلاع واسع بعلم وظائف الأعضاء، و قد توسع في محاورته لتيماوس في وصف تركيب أجسام الكائنات الحية، و وظائف أعضائها بناء على فكرة الغائية [13] .و أما أرسطو فقد تأثر في ذلك العلم بهؤلاء، و بوالده الذي كان طبيبا، و اعتمد أيضا على مشاهداته و تجاربه الخاصة، و على ملاحظات الرعاة و صيادي الطيور و الأسماك الذين كان يسألهم عن طبائع الحيوانات العارفين بها [14] . فهل يصح بعد الذي ذكرناه الزعم بأن أرسطو هو مُوجد علم وظائف الأعضاء؟!.
و الشاهد التاسع يتعلق بعلم الطب، فقد كان أرسطو على معرفة بهذا العلم، و قد سبقه إليه ممارسته و تنظيمه و تنظيره و تقعيده أطباء كبار، لا يصح معهم الزعم بأن أرسطو أوجد علم
الطب و أبدعه كعلم، منهم: أنبادوقليس كان طبيبا معروفا، تأثر به أرسطو و قال برأيه في أن القلب هو مركز الإحساس، و العقل هو القلب و ليس المخ، لأن القلب ينبوع الدم [15] .
و منهم أيضا الطبيب الفيلسوف أبُقراط، و هو أشهر أطباء اليونان، كان له دور كبير في وضع المنهج العلاجي الطبي على الملاحظة و الخبرة، و التجربة العملية، و قد تأثر به أرسطو، و أخذ بكثير من آرائه [16] . فهل بعد هذا يصح القول بأن أرسطو هو موجد علم الطب، و أنه أعطى لأهل العلم أكثر مما أخذ منهم؟.
و الشاهد العاشر يتعلق بعلم الفلك، و قد خاض فيه أرسطو في كتابه السماء و العالم، و قد ذكرنا بعض أقواله فيه، و بينا خطأه فيها في الفصلين الرابع و الخامس من كتابنا هذا. و قد سبقه إلى التكلم فيه الفيثاغوريون، كأفلاطون و إيدوكس، و هم الذين قسّموا العالم إلى قسمين: عالم ما فوق فلك القمر بموجوداته الإلهية و شبه الإلهية، و جواهره الأزلية. و الثاني هو عالم ما تحت فلك
(1) علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، ص: 27. و حسين حرب: المرجع السابق، ص: 71.
(2) علي أبو ريان: دراسات في الفلسفة القديمة، ص: 13.
(3) حسين حرب: المرجع السابق، ص: 71.
(4) علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، ص: 32.
(5) مصطفى النشار: نظرية المعرفة عند أرسطو، ص: 31، 33.
(6) عبد الرحمن بيصار: الفلسفة اليونانية، ص: 70، 85.
(7) عبد الرحمن بيصار: تأملات في الفلسفة الحديثة و المعاصرة، ص: 173 و ما بعدها، 179.
(8) مصطفى النشار: المرجع السابق، ص: 31، 32.
(9) سبق ذكر نماذج كثيرة من ذلك، و بينا من خلالها أنه كان كثير الخطأ في ممارسته لذلك المنهج.
(10) سبق توثيق ذلك.
(11) أميرة مطر: المرجع السابق، ص: 101، 107. و علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي، ص: 237 و ما بعدها. حسين حرب: المرجع السابق، ص: 105. و الموسوعة العربية الميسرة، ج 1 ص: 7.
(12) أميرة مطر: المرجع السابق، ص: 104.
(13) نفس المرجع، ص: 191.
(14) إمام عبد الفتاح إمام: أرسطو و المرأة، ص: 44.
(15) أميرة مطر: المرجع السابق، ص: 105. و حسين حرب: المرجع السابق، ص: 75.
(16) ابن رشد: رسائل ابن رشد الطبية، ص: 167، 220. و حسين حرب: نفس المرجع، ص: 105.