فهرس الكتاب

الصفحة 182 من 232

القمر، يخضع لعملية التكوّن و الفساد. و على هؤلاء اعتمد أرسطو في علم الفلك، و أخذ بتقسيمهم الذي ذكرناه [1] ، حتى أصبح ذلك النظام الفلكي هو الأساس الذي قامت عليه إلهيات أرسطو. لكن الغريب في الأمر أن ذلك نُسي و أصبح النظام الفلكي الفيثاغوري موروثا أرسطيا أصيلا عند كثير من الباحثين [2] . و أصبح يُزعم أن أرسطو موجد علم الفلك، و أنه أعطى لغيره من أهل العلم أكثر مما أخذ منهم!، أليس هذا تحريف للحقيقة التاريخية؟!.

و أما الشاهد الحادي عشر فيتعلق بالعقول المُفارقة، قال بها أرسطو و أصحابه، و قد سبقه إلى القول بها أستاذه أفلاطون، و كل منهما استفاد في ذلك من نظرية العقل عند أنكساغوراس [3] . و ذكر إرنست رينان أن جميع نظرية العقل عند أرسطو أقتبسها من الفيلسوف أنكساغوراس، و أرسطو نفسه اعترف بذلك، و قد نقل من كلامه نصا طويلا أورده بعبارة أنكساغوراس في كتابه النفس، و عرضها أيضا في الجزء الثاني من الطبيعيات بصراحة كما عرضها صاحبها أنكساغوراس [4] . فهل يصح بعد هذا كله القول بأن أرسطو موجد نظرية العقول؟.

و الشاهد الثاني عشر يتعلق بموضوع الخِطابة، فقد ألف فيها أرسطو كتابه الخطابة، و لخصه ابن رشد، لكنه-أي أرسطو- ليس هو الموجد لها، لأنه هو شخصيا ذكر أنه وُجد من سبقه من اليونانيين من تكلم عن صناعة الخِطابة [5] .

و الشاهد الأخير- و هو الثالث عشر- يتعلق بأكثر الفلاسفة الذين تأثر بهم أرسطو في فلسفته، فهو و إن تأثر بكثير منهم، كهريقليطس، و أنكساغوراس، و أنبادوقليس، فإننا نُركّز على اثنين فقط، هما: أبُقراط و أفلاطون، الأول تأثر به أرسطو في الطب و القوى الطبيعية، فقد ذكر ابن رشد أن الطبيب جالينوس قال: إن جميع الأشياء التي عند أرسطو في موضوع القوى الطبيعية في جسم الحيوان، كان أبُقراط هو أول من وقف عليها، و أعطى مبادئها البرهانية، فاعتمد عليها أرسطو. و قال أيضا برأيه في إثبات الطبيعة و النفس و الجوهر، و التكوّن و الفساد، و استحالة العناصر، و أن الطبيعة لا تفعل باطلا. و قال جالينوس أيضا: إن كل ما قيل في قوى الجسم، و في تولد الأمراض، و في وجود العلاج فإنه يُعلم (( أن أول من قاله على الصواب أبقراط، ثم شرح ذلك كله بعده أرسطو شرحا مُحكما ) )،و أصحابه من بعده، ثم الرواقيون [6] .

(1) علي أبو ريان: دراسات في الفلسفة القديمة، ص: 161.و أميرة مطر: الفلسفة اليونانية، ص: 185، 186. و جورج طرابيشي: العقل المستقيل، ص: 390.

(2) جورج طرابيشي: نفسه، ص: 390.

(3) ابن رشد: تلخيص ما بعد الطبيعة، ص: 53. و حسين حرب: المرجع السابق، ص: 87.

(4) إرنست رينان: ابن رشد و الرشدية، ترجمه عادل زعيتر، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة، 1957، ص: 137، 138.

(5) ابن رشد: تلخيص الخطابة، ص: 2، 18.

(6) ابن رشد: رسائل ابن رشد الطبية، ص: 167، 185، 220.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت