إن الشريعة هي الفلسفة المشائية، و لا الفلسفة المشائية هي الفلسفة، و إن كلا منهما يُغني عن الآخر. لأن الواقع شاهد على بطلان ذلك، فهما ليستا متطابقتين، ولا متوافقتين، ولا متساويتين، و من ثمّ فهما ليستا وجهان لعملة واحدة من جهة، و ليستا حقيقتين منفصلتين من جهة ثانية. لأن الشريعة حق كله، و تلك الفلسفة خليط من الحقائق و الأباطيل، و الظنون و الخرافات.
و ختاما- لما ذكرناه يتبين أن ابن رشد -في تقريره للعلاقة بين الشريعة و الفلسفة- نصّ على ثلاثة مبادئ، هي: الفصل، و الوصل، و التوفيق، و قد أكد عليها و طبّقها في تقريره لتلك العلاقة، و تقديمه للأرسطية على الشريعة الإسلامية.
تبين مما سبق أن ابن رشد أقام العلاقة بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية على ثلاثة مبادئ، هي: الفصل، و الوصل، و التوفيق، فما هي أسباب إقدامه على ذلك؟، إنه فعل ذلك لسببين رئيسيين، أولهما التناقض القائم بين شريعة الإسلام و الفلسفة الأرسطية، و هذا التناقض يمنع الجمع بينهما، فكان على ابن رشد أن يبحث عن طريقة أو وسيلة للتقريب بينهما ما أمكن.
و السب الثاني هو إيمان ابن رشد بالأرسطية و الإسلام، فأوجد هذا في نفسه تناقضا داخليا، و ولّد فيه أزمة نفسية و فكرية. و هو لم يكن قادرا على أن يتخلى عن أحدهما و يُضحي به، أو أنه لم يكن يُريد فعل ذلك، لأن إيمانه بهما لم يكن في درجة واحدة، و لا إيمانه بأحدهما كان كاملا تاما بحيث يُلغي الآخر و يُسقطه نهائيا. و هو لو آمن بالأرسطية وحدها ما احتاج أبدا إلى التوفيق بينها و بين الشريعة، لأن التناقض لا يُوجد في هذه الحالة. و لو آمن بالإسلام وحده ما احتاج أبدا إلى حكاية التوفيق بينه و بين الأرسطية لأن التناقض لا يُوجد في هذه الحالة أيضا. علما بأن إيمانه بالأرسطية كان أقوى بكثير من إيمانه بالشريعة، بدليل أنه سوى بينهما في المكانة وحق الوجود أولا، و اتخذ الأرسطية منطلقا و معيارا فكريا له ثانيا، و أوّل الشريعة تأويلا باطنيا تحريفيا لتتوافق مع الأرسطية ثالثا، و حرص على أرسطة الإسلام و لم يحرص على أسلمة الأرسطية رابعا.
فهذه الحالة أوجدت في نفسه-أي ابن رشد- اضطرابا نفسيا و فكريا بسبب التناقض القائم بين الشريعة و الأرسطية من جهة، و إيمانه -غير المتساوي- بهما من جهة أخرى. فأصبح من الضروري على ابن رشد البحث عن مخرج لأزمته النفسية و الفكرية، فطرح نظرته في العلاقة بين الشريعة و الأرسطية التي سبق شرحها و مناقشتها فيما تقدم من هذا الفصل.
و أما أهدافه من تلك العملية، فيظهر أن أهمها خمسة، أولها إيجاد مخرج شكلي تلفيقي للتناقض الذي هو فيه، و ليس إزالته كلية، لأن هذه الإزالة لا تتم إلا بأحد أمرين، الأول تمسكه بالإسلام وحده، و التخلّص من الأرسطية و رميها بعيدا، و ثانيهما التخلي عن الإسلام و تمسّكه بالأرسطية