وحدها. لكن الرجل لم يكن مستعدا للأخذ بأحد هذيّن الحليّن، و اكتفى بالمخرج الشكلي التلفيقي المزدوج الخطاب، في تقريره للعلاقة بين الشريعة و الأرسطية.
و الهدف الثاني هو إيجاد فتوى فقهية لإعطاء شرعية للفلسفة اليونانية عامة و الأرسطية المشائية خاصة، و ضمان لها مكانة مُعترف بها في المجتمع، لحمايتها من خُصومها و التخفيف من رفض المجتمع الإسلامي لها على الأقل.
و الثالث هو السعي لإيجاد حلول للمشاكل و القضايا الفكرية المشتركة بين الفلسفة و الشريعة، كمسألة خلق العالم، و الصفات الإلهية، و المعاد الأخروي، و ذلك باستخدام التأويل الباطني التحريفي في التعامل مع النصوص الشرعية لتساير الفلسفة الأرسطية و لو بالتلفيق و التحريف.
و الهدف الرابع هو السعي لإيجاد أرضية فكرية مُشتركة بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية تكون قاسما مُشتركا بينهما، بدعوى التطابق و التوافق و التوفيق، يتم من خلاله تفاعلهما الفكري باستخدام مختلف الوسائل الممكنة، كالتأويل الباطني التحريفي الذي هو الأساس الذي أقام عليه ابن رشد العلاقة بين الشريعة و الفلسفة.
و آخرها- أي الهدف الخامس- هو السعي لنشر الفلسفة اليونانية عامة و المشائية خاصة بين المسلمين، عن طريق إعادة نشر تراثها الفكري بالشروح و التلخيصات و المجاميع. و هو قد برع في ذلك و تفرّغ له، و أمضي سنوات طويلة من حياته من أجل مشروعه هذا.
تلك هي أهم الأهداف التي يبدو أن ابن رشد كان يرجوها و يسعى إلى تحقيقها من خلال نظرته إلى العلاقة بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية المشائية، فهل نجح فيما قام به؟.
أولا إن ما قام به ابن رشد من الناحية الفكرية و التاريخية لم يكن عملا جديدا، فقد سبقه إليه إخوانه المشاؤون في قولهم بالتوفيق بين الشريعة و الفلسفة الذي أقاموه على التحريفات و التلفيقات، و منهم: يعقوب الكندي، و أبو نصر الفارابي، و أبو علي بن سينا [1] .
كما أن تلك العملية- التي قام بها- هي عملية باطلة شرعا و عقلا، لأن شريعة الإسلام دين إلهي توحيدي كامل شامل قائم بذاته، يتناقض مع الفلسفة المشائية تناقضا أساسيا، التي هي مذهب بشري قائم على الظنون و الشركيات، و الخرافات و الأباطيل، و الأهواء و الضلالات. فلا مجال للمقارنة و لا للتوفيق بينهما، فشريعة الإسلام لا تقبل المنافسة، و لا المزاحمة، و لا مساواتها بغيرها، ولا التقدم عليها.
و تلك العملية هي ظاهرة البطلان، لأنه لا يمكن إيجاد تطابق و توافق بين الشريعة و تلك الفلسفة بسبب التناقض القائم بينهما، و من ثمّ فهما لا يجتمعان. و أما حكاية التوفيق و التقريب بينهما، و أنهما أختان رضيعتان مُصطحبتان بالطبع، فهي عملية تلفيقية تحريفية تهدف إلى تحقيق
(1) ابن تيمية: مجموع الفتاوى ج 9 ص: 135 - 136، ج 10 ص: 402.