فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 232

مكاسب مذهبية أرسطية مُسطرة سلفا من جهة، و ذر الرماد في عيون الناس لتضليلهم و تغليطهم، و التدليس عليهم من جهة ثانية. فهي عملية فاشلة تفتقد إلى الدليل الصحيح شرعا و عقلا، أقامها ابن رشد على التحريف و التلفيق و التلبيس على القراء.

و أما مصيرها من الناحية العملية، فإن الأمر يختلف عن الناحية النظرية الفكرية، فهي قد حققت نجاحات كبيرة من حيث التأثير و الانتشار بين طوائف أهل في العالمين المسيحي و الإسلامي خلال العصر الحديث، فكان من آثار ذلك ظهور ما يُعرف بالرشدية و الرشديين. لكن هذه النجاحات لا تُعبر عن صواب النظرية و صحتها، فقد سبق أن بينا بطلانها، و إنما تُعبر عن وجود أرضية مناسبة لانتشارها، عندما وجدت من يتقبلها بين كثير من اللادينيين و العلمانيين، و بعض الإسلاميين الذين التبس عليهم الأمر، أو نظروا إليه من زاوية أخرى.

و ختاما لهذا الفصل- و هو السادس- يتبين أن ابن رشد -في تقريريه للعلاقة بين الشريعة و الفلسفة- لم يكن موفقا فيها شرعا و لا عقلا. لأن العملية بكاملها لم تكن قابلة للتحقيق، لأنه أقامها على الجمع بين المتناقضين، و هذا مُحال. فجاءت محاولته هذه شكلية سطحية تحريفية تلفيقية، لم تصمد أمام المناقشة العلمية و انهارت بسهولة.

و أتضح أيضا أن ابن رشد -في قيامه بتلك العملية- كان يرمي إلى التخلص من التناقض القائم بين الشريعة و الفلسفة الأرسطية من جهة، و التخلّص من تناقضه الداخلي لجمعه بين الإيمان بالأرسطية و دين الإسلام من جهة ثانية. فكان يُعاني من أزمة فكرية و نفسية جعلته يسعى جاهدا للتخلّص منها، فطرح نظرته في العلاقة بين الشريعة و الفلسفة أملا منه في أن يجد مخرجا مناسبا لأزمته الداخلية أولا، و أن يُحقق مكاسب مذهبية أرسطية ثانيا. فارتكب بذلك جريمة نكراء في حق دين الإسلام و أهله عندما قدّم الأرسطية على الشريعة من جهة، و قدّم برهان الفلاسفة الأرسطيين على برهان فقهاء الإسلام من جهة أخرى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت