فهرس الكتاب

الصفحة 33 من 232

و أما عقلا فلا يصح أن نجعل فلسفة اليونان حَكمًا على الشرع، و هي فكر بشري، أخطاؤها كثيرة جدا، و صوابها قليل جدا، مليئة بالأوهام و الظنون و الخرافات. و قد أثبتت الدراسات العلمية الحديثة خطأ معظم ما في تلك الفلسفة، و سنقيم الأدلة الصحيحة على ذلك في الفصل الثاني و الرابع و الخامس بحول الله تعالى. و عليه فلا يصح أبدا اتخاذ هذه الفلسفة منطلقا و معيارا و حكما في النظر إلى الشرع، و إنما الصحيح هو عكس ذلك، بأن نجعل الشرع منطلقا و حكما و معيارا في النظر إلى تلك الفلسفة و في كل الفكر البشري.

و رابعا إنه واضح من كلامه السابق أن الداعي إلى التأويل هو اعتقاد وجود تعارض بين النظر البرهاني المزعوم، و بعض النصوص الشرعية، الأمر الذي يعني أن التأويل عنده ليس تفسيرا و شرحا، و لا بيانا و مجازا، و إنما هو إخراج لذلك التعارض المُتوهم من تلك النصوص بإخراج اللفظ من دلالته الحقيقية الصحيحة لتوافق ذلك النظر البرهاني المزعوم المأخوذ من الفلسفة اليونانية الظنية. و هذا -بلا شك- ليس تأويلا صحيحا شرعا، و لا لغة، و لا عقلا، و لا هو على قانون التأويل العربي الذي ادعاه ابن رشد؛ و إنما هو عملية تحريفية تلفيقية للنصوص الشرعية لتتوافق مع تلك الفلسفة المزعومة.

و خامسا إنه واضح- مما تقدم- أن ابن رشد لجأ إلى التأويل -حسب فهمه له- لأنه نظر إلى الشرع إنطلاقا من خلفيته الفلسفية الأرسطية المشائية، فما وافقها من الشرع قبله، و ما خالفها منه يجب تأويله لإزالة التعارض الموهوم. و هذا انحراف منهجي كبير و خطير، مرفوض شرعا و عقلا، و قد سبق أن بيناه. فكان يجب عليه -تفاديا لذلك الانحراف- أن ينطلق من الشرع أولا، فيفهمه من داخله و يتخذه منطلقا و معيارا و حكما في نظره إلى الشرع و الفلسفة معا. فلو فعل ذلك ما لجأ أصلا إلى حكاية التأويل و المجاز، و افتراض احتمالات التعارض بين الشرع و النظر البرهاني حسب زعمه. و بما أنه افترض ذلك، فيكون قد قدّم العقل الناقص النسبي القاصر على الشرع المطلق الصحيح. و هذا لا يصح شرعا و لا عقلا.

ثالثا: نماذج من تأويلات ابن رشد للشريعة:

اهتم ابن رشد بالتأويل-حسب فهمه له- اهتماما كبيرا تأصيلا و تطبيقا. فمن ذلك أنه أدعى أن نصوص الشريعة تتكون من قسمين، الأول قسم ظاهر هو فرض الجمهور، و الثاني قسم مُؤوّل، و هو فرض العلماء [1] .

و تقسيمه هذا ليس له فيه دليل صحيح، لأنه أولا أن اختلاف مفهوم التأويل في الشرع و عند ابن رشد يعني أن المؤوّل لديه-أي ابن رشد- ليس هو النص الشرعي غير المفهوم الذي يحتاج إلى شرح و بيان و تفسير لكي يُفهم فهما صحيحا، و إنما هو النص الشرعي المخالف للفلسفة الأرسطية المشائية

(1) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة، ط 2، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 2001، ص: 99.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت