و ثانيا إن قوله باحتمال مخالفة النص الشرعي للنظر البرهاني -حسب زعمه- هو قول لا يصح تصوّره و القول به شرعا و لا عقلا. فإما شرعا فإن الله تعالى وصف كتابه بأنه حق و برهان، و نور و بيان، لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه لقوله تعالى: (( قَدْ جَاءكُم مِّنَ اللّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُّبِينٌ ) )-سورة المائدة: 15 - ، و (( يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا ) )-سورة النساء: 174 - ، و (( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) )-سورة هود: 1 - ، و (( لا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )- سورة فصلت: 42 - . و كتاب هذه حاله و صفاته و حقيقته لا يصح أبدا فرض احتمال مخالفته للبرهان الصحيح، و فرضه و القول به هو رد للشرع، و طعن فيه، و تكذيب لله و رسوله.
و أما عقلا فلا يصح في العقل افتراض إمكانية تعارض حقائق العلم الثابتة مع نصوص الشرع الصحيحة و القطعية الدلالة، لأن مصدرهما واحد، هو الله تعالى، فلا يتعارض كتابه المسطور مع كتابه المنظور. فيستحيل أن يحدث تعارض حقيقي بينهما، و إنما قد يحدث توهم للتعارض على مستوى الأفهام و ليس على مستوى النصوص و الحقائق العلمية. فإذا حدث ذلك فهو إما أنه خطأ في فهم النصوص، و إما أنه اعتماد على نص غير صحيح، و إما أنه خطأ في فهم الظاهرة الطبيعية، و إما أنه اعتماد على نظريات و آراء و ظنون لم تثبت صحتها بالدليل العلمي القطعي. و قد تجتمع كل هذه الاحتمالات أو بعضها في سعينا لفهم نصوص الشرع و مظاهر الطبيعة. و بذلك يتبين أنه لا يصح القول أبدا بإمكانية حدوث تعارض حقيقي بين النص الصحيح و الحقيقة البرهانية العلمية، لأن النقل الصحيح لا يُخالف العقل الصريح، و العلم الصحيح، و بذلك يسقط مبرر ابن رشد في دعوى التأويل حسب فهمه له.
و ثالثا إن منطلقه البرهاني- الذي اعتمد عليه في دعوى التعارض و التأويل- هو منطلق ظني غير قطعي، و المتمثل في الفلسفة اليونانية عامة و الأرسطية خاصة [1] ، و هو منطلق لا يصح الاعتماد عليه، و الاحتكام إليه، و الوثوق به، شرعا و لا عقلا. فأما شرعا فإنه لا يصح أن نجعل تلك الفلسفة البشرية القاصرة الظنية حَكمًا على الشرع، و لا مساوية له، و لا مزاحمة له، و لا متقدمة عليه. لأن الإسلام شريعة إلهية يرفض كل المذاهب و العقائد و النحل المخالفة له، و يأمر كل البشرية بالدخول فيه و الاستسلام له فكرا و روحا و سلوكا، و من أبى عليه أن يتحمل مسؤوليته يوم يقوم الناس لرب العالمين. قال تعالى: (( وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ) )-سورة الأنعام: 153 - ، و (( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ ) )- سورة آل عمران: 19 - و (( وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) )-سورة آل عمران: 85 - .
(1) هذا أمر ثابت في فكر ابن رشد لا يحتاج إلى توثيقه هنا، و سيتوثق عشرات المرات فيما يأتي من فصول هذا الكتاب.