الشرح على الطريقة الشرعية في فهم القرآن الكريم، فإن التأويل الرشدي -المخالف للشرع و اللغة- لا يصح استخدامه لفهم النصوص الشرعية.
و خامسا إن ابن رشد -في تعريفه للتأويل- لم يكن منطلقه صحيحا، فلم يأخذ معناه من الشرع، و لا من لغة القرآن الكريم، و لا من فهم السلف الأول له. و إنما انطلق -في فهمه له- من منطلق كلامي فلسفي مُحدَث، اختلقه المؤولون من المتكلمين و الفلاسفة. فلم يكن مُنطلقه مُنطلقا علميا موضوعيا، و إنما كان منطلقا مذهبيا موجها لخدمة أفكار مذهبية مسبقة. و عمل هذا حاله مرفوض شرعا و عقلا، لأنه لا يصح تأويل الشرع بلا دليل من الشرع نفسه من جهة، و نفرض عليه مفهوما ليس شرعيا و بلا دليل صحيح من اللغة العربية من جهة أخرى. فمسلك ابن رشد هو انحراف منهجي خطير يقدح في نزاهته و موضوعيته.
و سادسا إنه-أي ابن رشد- وصف تأويله -الذي تبناه و ذكرناه سابقا- بأنه على (( قانون التأويل العربي ) ) [1] . و قوله هذا غير صحيح، لأن التأويل العربي الصحيح هو الموافق لمعنى التأويل في الشرع و لغة القرآن، و عند السلف الأول. بما أن تأويله المزعوم مخالف لهذا المعنى، فإنه ليس على قانون التأويل العربي بالضرورة، و إنما هو على قانون المؤولين من المتكلمين و الفقهاء و الفلاسفة.
و أما لماذا دعا ابن رشد إلى تأويل الشرع؟ - وفق مفهومه للتأويل-، فهو يرى أن سبب ذلك هو التعارض الذي قد يحدث بين النظر البرهاني و النصوص الشرعية، فإذا أدى (( النظر البرهاني إلى نحو ما من المعرفة بموجود ما، فلا يخلوا ذلك الموجود أن يكون قد سُكت عنه في الشرع أو عُرّف به. فإن كان مما قد سُكت عنه فلا تعارض هناك، و هو بمنزلة ما سُكت عنه من الأحكام ... و إن كانت الشريعة نطقت به، فلا يخلو ظاهر النطق أن يكون موافقا لما أدى إليه البرهان فيه أو مخالفا. فإن كان موافقا فلا قول هناك، و إن كان مخالفا طُلب تأويله ) ). و قال أيضا: (( و نحن نقطع قطعا أن كل ما أدى إليه البرهان و خالفه ظاهر الشرع، أن ذلك الظاهر يقبل التأويل على قانون التأويل العربي ) ). و نصّ صراحة على أن في الشرع ظواهر متعارضة بسببها يكون التأويل [2] .
و قوله هذا غير صحيح، و يتضمن انحرافا منهجيا كبيرا، لأنه أولا افترض أمرا وهميا لا وجود له في الشرع أصلا، ثم بنى عليه أمرا خطيرا، و هو: إقرار مبدأ التأويل و التأصيل له حسب مفهومه له. و هذا أمر لا يصح لأنه لا يُوجد أي تعارض بين النصوص الشرعية نفسها إذا فهمناها وفق المنهج الشرعي الصحيح. و لأنه أيضا لا يُوجد دليل في الشرع نص على التأويل الرشدي، أو دعا إليه و حث عليه. فليس لابن رشد دليل على شرعية تأويله مبدأ و مفهوما.
(1) فصل المقال، ص: 98.
(2) فصل المقال، ص: 97، 98.