إلى الظاهر من العقائد التي جمل الشرع الجمهور عليها، و هي عقيدة السلف [1] . فهل قوله هذا صحيح؟.
نعم إن ابن رشد انتصر للأرسطية انتصارا كبيرا مُغاليا فيه، و تعصب لها تعصبا مذموما أخرجه عن حدود الشرع و العقل [2] . و هذا أمر ثابت لا شك فيه، لكن الذي لا يصح زعمه هو قوله: إنه سعى لتخليص العقيدة الإسلامية ليُرجعها إلى عقيدة السلف. لأن ابن رشد و إن كان قال كلاما جيدا عن أسباب افتراق الأمة و تناحرها، و علل ذلك بابتعادها عن منهج الصحابة و أخذها بالتأويل [3] ، فإنه قد نقض ذلك و نسفه عندما انتصر للأرسطية على حساب الشرع، و قدّمها عليه أيضا [4] ،و جعلها منطلقه الفكري في نظره إلى كل ما يُخالفها من مذاهب، و منها مذهب السلف و أهل الحديث. فأوّل الصفات، و وصف الله تعالى بالسلب و العجز، و أغفل مذهب السلف في أصول الدين و قضاياه، و اتهمه بعدة اتهامات من جهة ثانية. فهل رجل هذا حاله، و هذه أفعاله يصح أن يُقال فيه: إنه سعى لتخليص العقيدة الإسلامية من تأويلات المتكلمين، ليُرجعها إلى عقيدة السلف؟؟!!، كلا، إن هذا الزعم لا يصح أبدا، لأن الرجل كان أرسطيا إلى النخاع سعى جاهدا- بلا ملل و لا كلل- إلى أرسطة الشرع بتأويله الباطني التحريفي.
أفرد ابن رشد مبحثا لموضوع الهداية و الضلال في كتابه الكشف عن مناهج الأدلة، تناوله من عدة جوانب انطلاقا من خلفيته الفلسفية الأرسطية في فهمه للنصوص الشرعية و المعطيات الفكرية، و هي التي سننتقده في بعضها إن شاء الله تعالى.
أولا إنه يرى أن آيات الهداية و الضلال متعارضة، و لا يجب حملها على ظاهرها، كقوله تعالى: (( وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) )- سورة الزمر: 7 - ، و (( وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ) )- سورة فصلت: 46 - ، و (( فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) )- سورة إبراهيم: 4 - . ثم تأوّل قوله تعالى: (( وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) )بقوله: (( بيّن إذ لم يرض لهم الكفر أنه ليس يُظلهم ) ) [5] .
و قوله هذا غير صحيح، لأنه لا يصح وصف نصوص الشرع بأنها متعارضة، لأن الشريعة نصوصها مُحكمة و لا تحتاج إلا للفهم الصحيح لها، و من الخطأ الفاحش حملها على التأويل الباطني التحريفي، و إنما يجب أخذها على ظاهرها و تفسيرها تفسيرا صحيحا يجمع بينها انطلاقا من ثوابت الشرع و مُحكماته وفق المنهج الشرعي في تفسير القرآن و فهمه.
(1) ابن رشد: الكشف، ص: 31، 32.
(2) سنتكلم عن ذلك في الفصل الخامس.
(3) سبق توثيق ذلك في الفصل الأول.
(4) سنقيم الأدلة على ذلك في الفصل السادس إن شاء الله تعالى.
(5) ابن رشد: الكشف، ص: 195.