فهرس الكتاب

الصفحة 116 من 232

و أما تأويله لقوله تعالى (( و لا يرضى لعباده الكفر ) )، فهو تأويل لا يصح أيضا لأنه نظر إليه من خلفيته المذهبية المتعلقة بصفات الله تعالى، و لم يُفرّق بين إرادة الله و مشيئته، و بين محبة الله و رضاه. فلا يُوجد تعارض بين قوله تعالى: (( فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) )- سورة إبراهيم: 4 - ،و (( وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ ) )- سورة الزمر: 7 - ، ففي الآية الأولى نص الله تعالى على أنه هو الذي يهدي و يُضل بمشيئته و إرادته، كقوله تعالى: (( إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) )- سورة القصص: 56 - ، فالله تعالى لا يُوجد في مخلوقاته إلا ما شاءه و أراده، سواء أمر به أو لم يأمر به، فكل ما في هذا العالم أراده الله و شاءه، لكن ليس بالضرورة أنه يُحبه و يرضاه و يأمر به، ففيه ما لا يُحبه و لا يرضاه، و هذا الذي أشارت إليه الآية الثانية. فالله تعالى إن كان لا يرضي لعباده الكفر، فإنه-أي الكفر- موجود بكثرة في العالم، لكنه سبحانه أراده و شاءه، لكنه لم يُحبه و لا رضي به و لا أمر به. و هذا الذي غاب عن ابن رشد أو أغفله، لذا فإن قوله: (( بيّن إذ لم يرض لهم الكفر أنه ليس يُظلهم ) )، ليس صحيحا، لأن الله تعالى هو الذي يهدي المؤمن برحمته و حكمته و فضله و عدله، لأنه سلك طريق الإيمان، و هو يُضل الكافر بعدله وحكمته لأنه سلك طريق الكفر و الضلال، فهو سبحانه لا يُجبر على الكفر، لكنه يُضل أهله عندما يختارون طريق الكفر و الضلال.

و ثانيا إنه أوّل قوله تعالى (( (( فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) )- سورة إبراهيم: 4 - ، بقوله: (( فهي المشيئة التي اقتضت أن يكون في أجناس الموجودات خلق ضالون، أعني: مهيئين للضلال بطباعهم و مسوقين غليه، بما تكنفهم من الأسباب المضلة من داخل و خارج ) ) [1] .

و تأويله للآية ليس كما ذهب إليه، لأن هذه الآية يجب فهمها على ضوء النصوص الشرعية الأخرى المتعلقة بموضوعها، و لا تُفهم منفصلة عنها. فيجب أن نُفسر الشرع بالشرع من دون الذهاب بعيدا في تأويلها انطلاقا من خلفيات مذهبية مُسبقة بعيدا عن الشريعة وروحها و مقاصدها. لأن الآية التي ذكرها تُفسرها نصوص أخرى، فعندما نقرأ قوله تعالى: (( فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) )، علينا أن نسأل: من هؤلاء الذين يُضلهم الله؟، و لماذا أضلهم؟، فيُجيبنا الشرع بقوله تعالى: (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ ) )- سورة المنافقون: 6 - ،و (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ ) )- سورة الزمر: 3 - ، و (( وَأَنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ ) )- سورة النحل: 107 - ، و (( إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ) )-سورة الأحقاف: 10 - ،و (( إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ ) )-سورة البقرة: 190 - ، و (( وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ) )- سورة البقرة: 276 - ،و (( فَإِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ) )-سورة آل عمران: 32 - ،و (( وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ ) )-سورة آل عمران: 57 - ، و (( وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ ) )-سورة المائدة: 64 - ،

(1) ابن رشد: الكشف، ص: 196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت