فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 232

فهؤلاء هم الذين لم يُحبهم الله، و أضلهم و لم يُرد لهم الهداية. و عندما نقرأ قوله تعالى: (( و يهدي من يشاء ) )، علينا أن نسأل: من هؤلاء الذين هداهم الله؟، و لماذا هداهم؟، فيُجيبنا الشرع بقوله تعالى: (( وَمَن يُؤْمِن بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ ) )- سورة التغابن: 11 - ، و (( إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ يَهْدِيهِمْ رَبُّهُمْ بِإِيمَانِهِمْ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الأَنْهَارُ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ ) )- سورة يونس: 9 - ، و (( إِنَّ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللّهِ لاَ يَهْدِيهِمُ اللّهُ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ) )-سورة النحل: 104 - . هكذا يُفهم الشرع الفهم الصحيح، فهو يُفسر نفسه، فأين ما زعمه ابن رشد؟.

و أما تأويله لتلك الآية فهو غير صحيح، لأنه يتعارض مع الشرع و العقل و الواقع؛ فأما شرعا فإن الله تعالى أخبرنا أنه خلق الإنسان مجبولا على الشر و الخير معا، و لم يجعله كله خيرا، و لا كله شرا، وإنما ركّب فيه الخير و الشر و حمّله الأمانة، قال تعالى: (( وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا ) )-سورة الشمس:7 - 10 - ،و (( وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ ) )- سورة البلد: 10 - ،و (( وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ ) )الكهف: 29 - ،و من ذلك أيضا قول رسول الله-عليه الصلاة و السلام-: (( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصراه أو يمجسانه ) ) [1] . فالإنسان يُولد و له استعداد للخير و الشر، و للهداية و الضلال.

و أما واقعا فالمُشاهد من حياة الناس واقعا و تاريخا، يدل على أن الإنسان مجبول على الخير و الشر معا، و تُساهم التربية بدور كبير في توجيه ذلك حسب المجتمع الذي يعيش فيه. و كل الناس يجتمع فيهم الخير و الشر، مع اختلاف نسبة كل منهما في الفرد الواحد، فقد يغلب الخير، و قد يغلب الشر. و كم من إنسان عاش معظم حياته ضالا شريرا، ثم تاب في آخر حياته و أصبح مؤمنا تقيا خيّرا. و قد يحد عكس ذلك في بعض الأفراد. و كم من أمة أمضت حياتها على الكفر، و أخرى أمضت حيتها على الإيمان، و أخرى غيّرت مسارها من الكفر إلى الإيمان. فكل أمة- أفرادا و جماعات- لها الإرادة أن تتحكم في مسارها بين الكفر و الإيمان و بين الهداية و الضلال، الأمر الذي يعني أن ما ذهب إليه ابن رشد هو رأي غير صحيح.

و أما عقلا فإن قوله هو جبرية مكشوفة بلا قناع، و اتهام لله تعالى بالظلم، نعم إن الله تعالى فعال لما يريد لكنه سبحانه أخبرنا أنه لا يظلم أحدا، فليس من العدل أصلا أن يخلق الله تعالى قوما شريرين بطباعهم من دون سبب، و يجعل آخرين خيرين بطباعهم من دون سبب أيضا. فهذا يتناقض مع العدل الإلهي، و لا هو من الحكمة و لا من الرحمة في شيء، و لهذا قال الله تعالى: (( وَلَا

(1) البخاري: الصحيح، ج 1 ص: 465.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت