يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا )) - سورة الكهف: 49 - . و هل يُوجد ظلم أكثر مما زعمه ابن رشد من أن الله خلق أناسا شريرين بطباعهم و أدخلهم النار من دون ذنب منهم و لا جريرة؟!.
و حتى الآية التي استدل بها فيما قاله، فلو تدبرناها -بمعزل عن الآيات الأخرى-، فهي أيضا لا تدل على ما ذهب إليه. فهي تقول: (( (( فَيُضِلُّ اللّهُ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ ) )، فيُمكننا فهمها على وجهين، أولهما إن الله تعالى هو الذي شاء أن يضل إنسانا ما بسبب كفره و انحرافه. و هو الذي شاء أن يهدي إنسانا ما لإيمانه و صلاحه. و ثانيهما إن الله هو الذي يضل العبد الذي شاء هو بنفسه أن يُضله الله لانحرافه و كفره. و أن الله هو الذي يهدي العبد الذي شاء هو بنفسه أن يهديه الله لإيمانه و صلاحه.
و ثالثا إنه -أي ابن رشد- أوّل قوله تعالى: (( وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا ) )- سورة السجدة: 13 - ، بأن معناه: لو شاء الله أن لا يخلق خلقا مهيئين أن يُعرض لهم الضلال إما من قبل طباعهم، و إما من قبل الأسباب التي من خارج ... و نظرا لكون الطباع مُختلفة كانت الآيات مُضلة لقوم و هادية لقوم، و ليس المقصود أن هذه الآيات قُصد بها الإضلال [1] .
و تأويله هذا لا يصح، و قد بناه على تأويله السابق، و هذه الآية لم تنص على أنه تعالى خلق خلقا مُهيئين للضلال، و آخرين مُهيئين للضلال، لأن الشرع نص صراحة على أن الإنسان مُكلف و مُبتلى على أساس أنه مجبول على الخير و الشر، و فابل للهداية و الضلال، و هو المسؤول عن نفسه. لكن ابن رشد يزعم أن الناس ليسوا كذلك، و إنما هم صنفان: صنف مهيء للهداية و مجبول عليها، و صنف مُهيء للضلال و مجبول عليه أيضا. و هذا فهم مخالف للشرع و العقل و الواقع، و قد سبقت مناقشته و إظهار بطلانه.
و أما الآية التي ذكرها فمعناها- و الله أعلم- أنها أشارت إلى أمر فات ابن رشد، أو لم يرد أن ينتبه إليه، و هو أنها تعرّضت لمسألة الهداية و الضلال على مستوى الإرادة الإلهية المطلقة من حيث الإمكان. فالله تعالى بما أنه فعال لما يريد، و على كل شيء قدير، و يفعل ما يشاء و يختار، فإن الكفر و الضلال الموجودان في العالم ليسا خارجين عن إرادته و مشيئته سبحانه و تعالى، بل هما موجودان بإرادته و مشيئته، و حمكته و عدله. فلو أراد أن يجعل الناس كلهم كفارا لكانوا كذلك، و لو أراد أن يجعلهم كلهم مؤمنين لفعل ذلك، لكنه سبحانه لم يرد ذلك، و أراد أن يخلق الإنسان مجبولا على الخير و الشر، و أعطاه حرية الاختيار بين الإيمان و الكفر، و حمّله أمانة العبودية، فإما إلى الجنة، و إما إلى النار.
و رابعا إنه- أي ابن رشد- عندما أراد تبرير موقفه و الاحتجاج له، تساءل: إذا قيل ما الحاجة إلى خلق صنف من المخلوقات مُهيئين بطباعهم للضلال و هذا جور؟، ثم قال: (( إن
(1) ابن رشد: الكشف، ص: 196.