فهرس الكتاب

الصفحة 119 من 232

الحكمة الإلهية اقتضت ذلك، و أن الجور كان يكون في غير ذلك. وذلك أن الطبيعة التي خُلق منها الإنسان، و التركيب الذي رُكب عليه، اقتضى أن يكون بعض الناس و هم الأقل شرارا بطباعهم. و كذلك الأسباب المترتبة من خارج لهداية الناس لَحِقها أن تكون لبعض الناس مُضلة، و إن كانت للأكثر مُرشدة )) . فوجود الخير الأكثر مع الشر الأقل، أفضل من إعدام الخير الأكثر بسب وجود الشر الأقل [1] .

و قوله لا يصح فيما يتعلق بهداية الإنسان و ضلاله، لأنه سبق أن بينا أن الإنسان مفطور على الخير و الشر، و أنه قابل للهداية و الضلال، و من ثم لا يصح زعمه بوجود صنف من الناس مُهيئين للضلال. و هو زعم يتناقض مع العدل الإلهي شرعا و عقلا، و حقيقة قوله أنه قول بالجبرية.

و أما احتجاجه بالحكمة، فهو احتجاج نقض لها، لأن الحكمة الإلهية لا تقتضي ظلما و لا جورا، و إنما تقتضي عدلا و رحمة و مصلحة، و ليس من العدل و لا من الحكمة، و لا من المصلحة أن يخلق الله صنفا من الناس ضالين بطباعهم من دون ذنب و لا اختيار منهم!!. و الله تعالى أخبرنا أنه لا يظلم أحدا، و زعم ابن رشد هو الظلم بعينه، فهذا الظلم الذي نسبه ابن رشد إلى الله تعالى يتنزه عنه الإنسان المُحترم العادل، فما بالك برب العالمين أعدل العادلين، و أحكم الحاكمين، و أرحم الراحمين؟؟!!.

و أما احتجاجه بالشر القليل و الخير الكثير، فهو لا يصح الاحتجاج به في مسألة الهداية و الضلال، لأنه سبق أن بينا أن الإنسان مجبول على الخير و الشر، و قابل للهداية و الضلال، و أنه مسؤول عن أفعاله، حمّله الله تعالى أمانة العبودية، و هذا يستلزم حتما أن يكون كل إنسان حرا على قدر المسؤولية التي كُلّف بها.

و زعمه بأن مُكوّنات الإنسان اقتضت أن يكون قلة من الناس أشرارا بطباعهم فضلّوا، و أكثريتهم كانت خيّرة فاهتدت. فهذا لا يصح، و خلاف الشرع و العقل، لأنه سبق أن بينا بطلان منطلقه الفكري من جهة، و أن الشرع نصّ صراحة على أن معظم الناس كفار ضالون أشرار و ليس العكس كما ادعى ابن رشد، بدليل قوله تعالى (( فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا ) )-سورة الفرقان: 50 - ، و (( وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ ) )-سورة يوسف: 103 - .

و أما واقعا فإن التاريخ و الواقع يشهدان على عكس ما قاله ابن رشد، فإن الكفر هو الغالب على بني آدم، فغالبية الشعوب و الحضارات التي شهدها التاريخ لم تكن تدين بدين الإسلام، و غالبية سكان العالم اليوم كفار ليسوا بمسلمين. الأمر الذي يعني أن الله تعالى سيدخل الغالبية الساحقة من بني آدم جهنم و بئس المصير. فأين الخير الكثير الموجود في بني آدم مقابل الشر القليل؟،و أليس العكس هو الصحيح؟. لكن هذا لا يعني أن غالبية البشر أشرار بطباعهم، و إنما يعني أن

(1) ابن رشد: الكشف، ص: 196.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت