نقد موقف ابن رشد من العقول المفارقة و خلود النفس و طبيعيات أرسطو
نُخصص هذا الفصل لنقد مواقف ابن رشد الحفيد من ثلاثة مواضيع لها أهمية كبرى في الفلسفة الأرسطية، و تترتب عنها نتائج خطيرة على الفكر الفلسفي. أولها يتعلق بمصير النفوس بعد موتها من معاد أخروي و علاقتها بالنفس الكلية عند المشائين،.و ثانيها يتعلق بالعقول المفارقة الأزلية من جهة، و العقل الكلي و اتصاله بالعقل الإنساني من جهة أخرى. و ثالثها يتعلق بطبيعيات أرسطو التي بالغ ابن رشد في الثناء عليها و الاحتجاج بها. تلك هي المواضيع التي سنُخضعها للنقد العلمي على ضوء الشرع و العقل و العلم، إن شاء الله تعالى.
ذكر ابن رشد -في كتابه فصل المقال- أن الإيمان بوجود المَعاد الأخروي و أحواله واجب شرعا، و من أنكره فهو كافر. و أشار إلى أن أهل العلم اختلفوا في هذا المعاد، هل هو مَعاد مادي و روحي، أم هو روحي فقط؟. فمنهم من أوّل المادي و أقر بالروحي فقط، و منهم من قال بهما معا، ثم اعتذر للفريقين من دون ترجيح و لا انتصار لأي منهما [1] .
و أقول: إن موقفه هذا غير صحيح فيما يتعلق بوجود المعادين المادي و الروحي، لأن اختلاف أهل العلم في القول بالمعادين أو بأحدهما شيئ، و موقف الشرع منهما شيء آخر. فأهل العلم كل منهم نظر إلى القضية انطلاقا من خلفيته المذهبية، و منهجه في فهم الشرع، لكنها-أي القضية- على ضوء الشرع شيء آخر تماما. فكان عليه أن يُبين موقف الشرع من هذه القضية بصراحة، و بلا لف و لا دوران، و لا يجعله تابعا لأراء أهل العلم. و عليه فإن الإيمان بالمعادين المادي و الروحي يوم القيامة هو من بديهيات الشرع و أصوله المعروفة من دين الإسلام بالضرورة، و من أنكرهما معا أو أحدهما، فهو قد خرج عن أصل من أصول عقائد الإسلام، بلا دليل صحيح إلا إتباع الظنون و المذهبيات الباطلة المبنية على التخمينات و الأهواء. و النصوص الشرعية في إثبات المعادين كثيرة جدا، منها قوله تعالى: (( ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ ) )- سورة قـ: 34 - ، و (( وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ ) )-سورة يونس: 54 - ، و (( وَبَشِّرِ الَّذِين آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ) )-سورة
(1) ابن رشد: الفصل، ص: 112 و ما بعدها. و الكشف، ص: 199 و ما بعدها.