فهرس الكتاب

الصفحة 114 من 232

الحنابلة و أهل الحديث، و هو المعنى الصحيح الذي يحتمله قول ابن رشد في وصفه للحنابلة بأنهم يأخذون بظاهر النص. فكان عليه أن يُحدد المعنى الذي يُريده بدقة، لكي لا يلتبس كلامه على القارئ. علما بأن الظاهر الذي أخذ به الحنابلة و أهل الحديث هو الظاهر الصحيح، و ليس هو ظاهر المشبهة و المجسمة، و لا هو ظاهر المؤوّلة و المُعطلة.

و قد دلّ قوله السابق في الحنابلة أنه -أي ابن رشد- لم يكن على معرفة كاملة و صحيحة بمذهب السلف و أهل الحديث، فلو كان عارفا به معرفة جيدة ما أخطأ في حق الحنابلة و أهل الحديث في هذا الخطأ الواضح، الذي اتهمهم فيه بالتجسيم. و يبدو أن سبب ذلك هو إما أنه قرأ مذهبهم من كتب خصومهم، و لم يرجع إلى مؤلفاتهم الأصيلة. و إما أنه تعمد وصفهم بذلك لأنه نظر إلى مذهبهم انطلاقا من خلفيته الأرسطية الباطنية التأويلية التحريفية. و إما أنه اجتمع فيه الاحتمالان.

و أما لماذا اتخذ ابن رشد موقف الإغفال و الاتهام من مذهب أهل الحديث؟،و ماذا ترتب عن ذلك؟، فيبدو أنه أغفل مذهبهم لثلاثة أسباب رئيسية، أولها قلة معرفته بمذهبهم معرفة حقيقية و شاملة. و ثانيها ضعف سيادة مذهب أهل الحديث و تأثيره الاجتماعي و السياسي و العلمي زمن ابن رشد في أيام دولة الموحدين المعادية لمذهب أهل الحديث، مما جعل ابن رشد يصرف اهتمامه به.

و السبب الثالث هو تأثر ابن رشد الكبير بالفلسفة الأرسطية و غلوّه فيها [1] ، جعلته ينظر إلى كل ما يُخالفها نظرة ازدراء و استعلاء، و بحكم مُسبق بأنه باطل، حتى أنه ألحق علماء الشريعة بالجمهور و أهل الجدل، و جعل الفلاسفة أهل البرهان و اليقين على حد زعمه. فهذا النظرة المذهبية المتعصبة و الضيقة حرمته النظرة العلمية الموضوعية الصحيحة إلى مذهب أهل الحديث.

فترتب عن ذلك نتائج سلبية خطيرة أضرت بابن رشد و أهل الحديث، و بمختلف طوائف أهل العلم. من ذلك: إنه -أي ابن رشد- حرم نفسه و قراءه من كنوز مذهب أهل الحديث، و سلامة منهجهم في أصول الدين و قضاياه المتنوعة. و إنه ساهم في تشويه ذلك المذهب و التضييق عليه بإغفاله له، و نشر الشناعات و الاتهامات حوله. و إنه أقصى مذهبهم من أن يكون مذهبا جديرا بالاهتمام و التقدير ليُنافس مذاهب الفلاسفة و المتكلمين، و يرد عليهم بمنهجه المتميز القويم القائم عل النقل الصحيح، و العقل الصريح، و العلم الصحيح، و ما أجمع عليه السلف الصالح.

و إنهاءً لهذا المبحث أُشير هنا إلى أن للباحث محمد عابد الجابري رأيا يتعلق بما نحن فيه، و مفاده أن ابن رشد سعى إلى تخليص الفلسفة من تأويلات ابن سينا ليُرجعها إلى أصول أرسطو من جهة. و سعى من جهة أخرى إلى تخليص العقيدة الإسلامية من تأويلات الأشاعرة و غيرهم المتكلمين ليُرجعها

(1) سنتكلم عن ذلك في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت