و أما اتهامه لهم، فيتمثل في أنه عندما تكلم عن صفة الجسمية، ذكر أن الحنابلة و كثيرا ممن اتبعهم وصفوا الله بالجسمية، و قالوا: (( إنه جسم لا يُشبه سائر الأجسام ) ).و ذكر أن الحنابلة تحمل آية الاستواء و حديث النزول على ظاهرهما من دون تأويل [1] .
و أقول: أولا واضح من كلامه أنه يُريد أهل الحديث كلهم، بحكم أن الحنابلة-بعد انقسام السنيين على أنفسهم- هم قطب أهل الحديث، و أنه قال: (( و كثير ممن تبعهم ) ). و هذا اتهام لا يصح في حقهم، لأنهم لم يقولوا بصفة الجسمية، و هم لا يصفون الله تعالى إلا بما وصف بع نفسه، و أو وصفه به رسوله-عليه الصلاة و السلام- [2] . و أما الحنابلة فليس فيهم من أطلق لفظ الجسم على الله تعالى، لكن نُفاة الصفات كابن رشد و أصحابه يسمون كل من أثبتها مجسما [3] .
و ثانيا إن اتهامه لأهل الحديث بأنهم وصفوا الله تعالى بالتجسيم، يدل على أن مفهومه للتجسيم ليس مفهوما صحيحا شرعا و لا عقلا، فهو عنده وصف الله بالصفات التي وصفه السرع بها. و هذا مفهوم غير صحيح تماما، لأن التجسيم و التشبيه هو أن نقول: إن الله يُشبه مخلوقاته جسما وصفة.
و أما لماذا تعريفة للجسم غير صحيح شرعا و عقلا؟، فهو لأن الشرع وصف الله تعالى بصفات كثيرة جدا، و هو سبحانه ليس كمثله شيء، و بما أنه وصف نفسه بها، هي بالضرورة صفات حقيقية لا مجازية، تليق به سبحانه و تعالى، وهي صفات كمال و تنزيه لا نقص فيها مطلقا. علما بأنه لا احد يستطيع وصف الله تعالى بطريقة صحيحة كاملة لا نقص فيها إلا الله تعالى أو رسوله -عليه الصلاة و السلام-. و أما عقلا فإن اتصاف الله تعالى بصفات الكمال التي تليق به، هي من ضروريات العقل الصريح، لأنه لا موجود دون صفات تليق به، و لأن العالم يشهد لخالقه بكل صفات الكمال بالضرورة.
و أما ما قاله عن الحنابلة بأنهم يحملون أية الاستواء و حديث النزول على ظاهرهما، فهم كغيرهم من السلف و أهل الحديث يُثبتون الصفات بلا تعطيل، و لا تجسيم، و لا تأويل، و لا تشبيه و لا تكييف، و يرفضون تأويلها مُطلقا [4] . لكن قوله بأنهم يحملونه على ظاهره يحتمل معنيين، أحدهما صحيح، و الثاني غير صحيح بالنسبة إلى الحنابلة. فإذا قُصد به أنهم يُثبتون النزول و الاستواء و يجعلونه كاستواء و نزول المخلوقين، فهذا لا يقوله الحنابلة و لا أهل الحديث، و هذا هو المعنى الباطل الذي يحتمله قوله.
و أما إذا قُصِد به أنه يُثبتون صفتي الاستواء و النزول على الحقيقة لا المجاز، من دون تأويل و لا تعطيل و لا تشبيه، ولا تشبيه و لا تجسيم، و أنما هو إثبات وجود لا إثبات كيفية، فهذا يقوله
(1) ابن رشد: الكشف، ص: 139. و فصل المقال، ص: 98.
(2) ابن تيمية: درء التعارض، ج 10 ص: 258.
(3) نفس المصدر، ص: 250.
(4) لتوسع في ذلك أنظر: الموفق بن قدامة المقدسي: ذم التأويل.