و مع ذلك فإنه يبدو لي أنه لم يُغفل أهل الحديث إغفالا تاما و محوا لوجودهم كطائفة مستقله بكيانها، و إنما ألحقهم بالطائفة التي سماها الحشوية، التي هي من الرعاع و المجسمة، و المُخلطين من عوام أهل العلم المنتسبين لأهل السنة. و إن صح هذا الاحتمال يكون ابن رشد قد أخطاأ في ذلك خطأ فاحشا لأن أهل الحديث ليسوا من الحشوية، ولا من المجسمة، و لا من المعطلة، و لا من المؤوّلة، و إنما هم على مذهب الصحابة و السلف الصالح في أصول الدين [1] .
و كما أغفلهم كطائفة فاعلة في المجتمع أغفلهم أيضا كمدرسة فكرية، فلم يذكر مذهبهم كمذهب مستقل له مواقفه الفكرية المتميزة. فعندما تطرق إلى موضوع صفات الله تعالى، و مواقف الفرق الكلامية من طريقة إثبات وجود الله تعالى أغفل مذهبهم [2] . مع أن مذهبهم في الله تعالى و صفاته هو أصح المذاهب و أقواها حجة شرعا و عقلا [3] .
و أما المظهر الثاني من إغفاله لأهل الحديث، فيتمثل في أنه عندما تعرّض لصفة الجسمية ذكر أن الذين صرّحوا بنفيها فرقتان، هما: المعتزلة و الأشعرية [4] .و لم يذكر أهل الحديث، بأنههم هم أيضا نفوا الجسمية و لم يصفوا الله تعالى بها، و هم لا يصفون الله إلا بما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله-عليه الصلاة و السلام- [5] ، فكان عليه أن يستثنيهم و أن لا يغفلهم.
و المظهر الثالث من إغفاله لهم فيتمثل في أنه عندما تطرق إلى موضوع السببية و الحكمة و الطبائع في العالم، و إنكار الأشاعرة لذلك و رده عليهم [6] ، أغفل موقف أهل الحديث من هذا الموضوع و كأنه غير موجود، مع أهميته كطرف يُعبر عن الجناح الأول في الطائفة السنية. فهم خلاف الأشاعرة في ذلك، فيُثبتون السببية و الحكمة في العالم بطريقة شرعية و عقلية معا [7] ، فما كان لابن رشد أن يغفل موقفهم!.
و آخرها-أي المظهر الرابع- هو إغفاله لهم في موضوع القضاء و القدر، فعندما تطرق إلى موضوع الجبر و الاختيار، و علاقته بالقضاء و القدر ذكر موقف المعتزلة و الجبرية و الأشعرية [8] ،و لم يُشر إلى موقف أهل الحديث من هذا الموضوع، مع أن لهم كلاما جيدا فيه، موافقا للشرع و العقل معا، و فيه رد قوي على الطوائف المخالفة لهم [9] .
(1) خالد كبير علال: نفس المرجع، ص: 7 و ما بعها.
(2) ابن رشد: الكشف، ص: 101 و ما بعدها. و تهافت التهافت، ص: 220.
(3) أنظر مثلا: ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة على الجهمية و المعطلة.
(4) ابن رشد: الكشف، ص: 140.
(5) ابن تيمية: درء تعارض العقل و النقل، ج 10 ص: 258.
(6) ابن رشد: الكشف، ص: 166 و ما بعدها. و تهافت التهافت، ص: 164، 165.
(7) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 16 ص: 418. و الرد على المنطقيين، ص: 530.
(8) ابن رشد: الكشف، ص: 187.
(9) أنظر مثلا: ابن قيم الجوزية: شفاء العليل في مسائل القضاء و القدر و الحكمة و التعليل، ط 3، دار الكتب العلمية، بيروت. و ابن أبي العز الحنفي: شرح العقيدة الطحاوية، بيروت، المكتب الإسلامي، ص: 142، و ما بعدها، و 364 و ما بعدها.