فهرس الكتاب

الصفحة 34 من 232

، هو الذي يجب تأويله -بل تحريفه- ليتفق مع تلك الفلسفة. و هذا مقياس باطل شرعا و عقلا، سبق أن أثبتنا بطلانه. كما أنه ليس لابن رشد دليل صحيح أصلا في ذلك التقسيم. لأن الشرع كله حقائق، و براهين، و آيات بينات، لا يحتاج أبدا إلى ذلك التأويل التحريفي التلفيقي.

و ثانيا إن ذلك التقسيم للنصوص الشرعية مُخالف للشرع نفسه الذي قسم النصوص إلى مُحكمات و متشابهات، و لم يُقسمها إلى ظاهر خاص بالجمهور، و إلى مُؤوّل خاص بالعلماء. و النصوص الشرعية بنوعيها هي في النهاية كلها مُحكمة و لا تقبل التقسيم الرشدي، لأن الله تعالى الذي نصّ على وجود المحكم و المتشابه في قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ ) )-سورة آل عمران: 7 - . هو نفسه الذي نصّ أيضا على أن القرآن الكريم هو: (( الَر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ ) )-سورة هود: 1 - و (( لَا يَاتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) )-سورة فصلت: 42 - . فالنصوص الشرعية في النهاية كلها مُحكمة، لأن المتشابهات مُحكمة هي أيضا بمحكات الكتاب و السنة النبوية الصحيحة. الأمر الذي يدل على أن كلا من المحكمات و المتشابهات لا تقبل ذلك التقسيم الرشدي، و لا يصح تطبيقه عليها، و لا إخضاعها للتأويل الرشدي المشائي التحريفي المخالف للشرع و اللغة معا.

و النموذج الثاني، مفاده أن ابن رشد قسّم الشرع إلى ظاهر منه ما لا يجوز تأويله، فإن أُوّل و كان يتعلق بالمبادئ فهو كفر؛ و إن كان فيما دون ذلك فهو بدعة. و منه أيضا نوع يجب على أهل البرهان تأويله و حملهم (( إياه على ظاهره كفر ) ). و تأويل غيرهم-من غير أهل البرهان- لهذا النوع هو كفر في حقهم أو بدعة. و من الصنف الذي يجب تأويله آية الاستواء و حديث النزول، لذا قال الرسول-عليه الصلاة و السلام- في الجارية السوداء عندما أخبرته أن الله في السماء-: (( اعتقها فإنها مؤمنة ) )لأنها لم تكن من (( أهل البرهان. و السبب في ذلك أن الصنف من الناس الذين لا يقع لهم التصديق إلا من قبل التخيل، أعني أنهم لا يُصدقون بالشيء إلا من جهة ما يتخيلونه، يعسر وقوع التصديق لهم بموجود ليس منسوبا إلى شيء مُتخيل ) ) [1] .

و ردا عليه أقول: أولا إن قوله بأن في الشرع ظاهر لا يجوز تأويله، و تأويله كفر، و فيه أيضا ظاهر يجب تأويله و تركه كفر، هو قول غير صحيح، لأن الشرع كله قابل للتأويل الشرعي الذي يعني التفسير و البيان و الشرح، و هذا ينطبق على محكمات الكتاب و متشابهاته دون استثناء. و أما التأويل المشائي الرشدي الذي قال به ابن رشد و دعا إلى تطبيقه على الشرع فهو تأويل باطل لا

(1) فصل المقال، ص: 111.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت