فهرس الكتاب

الصفحة 35 من 232

يصح استخدامه مع النوع الأول و لا مع الثاني. علما بأن هذا التقسيم لا دليل له عليه من الشرع و لا من العقل؛ فالشرع مُحكم كله لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و يُفهم بمنهجه الشرعي. و العقل الفطري الصريح لا ينكر من القرآن شيئا، و لا يُوجد فيه دليل صحيح يقول بذلك التقسيم المزعوم، و الأمثلة التي ذكرها لا تُؤيد ما ذهب إليه، و سنتكلم عنها قريبا إن شاء الله تعالى.

و ثانيا إن قوله بأن آية الاستواء هي من النوع الظاهر الذي يجب على أهل البرهان تأويله، و إلا وقعوا في الكفر، فهو قول غير صحيح شرعا و لا عقلا. فأما شرعا فإن الله تعالى نصّ في كتابه العزيز على أنه استوى على العرش في قوله: (( الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ) )-سورة طه: 5 - ، و عليه فلا يصح أبدا إنكار هذا الاستواء، و لا يجوز تشبيهه و تجسيمه و تكييفه، و إنما يجب إثباته لله تعالى بما يليق به، و نترك كيفيته و حقيقته لله تعالى، فهو العالم به، و علينا أن ننظر إلى الاستواء و كل صفات الله تعالى في إطار قواعد التنزيه الشرعية كقوله تعالى: (( لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ ) )-سورة الشورى: 11 - ، و (( وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ ) )-سورة الإخلاص: 4 - ، و (( فَلاَ تَضْرِبُوا لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ) )-سورة النحل: 74 -

و أما عقلا فإن صفة الاستواء ليست نقصا لكي ننفيها عن الله تعالى، بل هي صفة كمال و علو، أثبتها الله تعالى لنفسه، فيجب إثباتها له. و لا يُوجد أي مانع عقلي صحيح يجعلنا ننفي اتصاف الله تعالى بتلك الصفة، فبما أن الله تعالى له صفات الكمال المُثلى و الحسنى، و فعال لما يريد، و وصف نفسه بالاستواء، فهذا يعني أن الاستواء صفة كمال يجب إثباته، و ليس للعقل فيه أي مطعن صحيح.

و ثالثا إن قوله بأن حديث النزول هو من النوع الظاهر الذي يجب على أهل البرهان تأويله، هو قول غير صحيح، لأن حديث النزول هو حديث صحيح [1] ، يجب قبوله و فهمه فهما صحيحا انطلاقا من نصوص التنزيه التي هي قواعد أساسية في موضوع الصفات الإلهية. و ذلك الحديث لا يتناقض مع تلك القواعد التنزيهية، و إنما يندرج فيها، و بها نضعه في مكانه الصحيح. و إثباتنا لحديث النزول لا يعني أننا ننظر إليه نظرتنا إلى حركات الإنسان من نزول و صعود و جلوس، فهذا كلام باطل شرعا و عقلا، و إنما ننظر إليه إنطلاقا من قواعد التنزيه كقوله تعالى: (( ليس كمثله شيء و هو السميع البصير ) )-سورة النحل:74 - )) . فنزوله سبحانه نُثبته له بما يليق به، بلا تشبيه، ولا تجسيم، و لا تكييف، و لا تأويل، و لا تعطيل. و مثاله قوله تعالى: (( فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ موسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ ) )-سورة

(1) يقول فيه الرسول-عليه الصلاة و السلام-: (( ((:(ينزل ربنا تبارك وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر يقول من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له ) ). مسلم: الصحيح، ج 1 ص: 384، رقم الحديث: 1094.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت