الأعراف: 143 - ، فالتجلي حدث فعلا، لكننا لا نعرف كيفيته و لا حقيقته، و لا يعلم ذلك إلا الله تعالى، لكن يجب علينا إثبات حدوثه، ننكل كيفيته و حقيقته لعلام الغيوب سبحانه و تعالى. فحديث النزول من هذا القبيل يجب إثباته، و هو لا يتناقض مع الشرع الصحيح، و لا مع العقل الفطري الصريح. و أما زعم ابن رشد بأنه يتناقض مع العقل، فالأمر ليس كذلك، و إنما هو يتناقض مع العقل الأرسطي المشائي الرشدي، الذي لا وزن و لا اعتبار له في الميزان الصحيح القائم على النقل الصحيح و العقل الصريح، لأن ذلك العقل- أي الأرسطي المشائي- هو عقل مريض مُشوّه أفسدته الفلسفة الأرسطسة المشائية بإلهياتها الوهمية الخرافية [1] .
و رابعا إن قوله بأن حديث الجارية السوداء هو من الأحاديث التي يجب على أهل البرهان تأويله، هو قول لا يصح، لأن هذا الحديث قد صحّ عن رسول الله -عليه الصلاة و السلام-، و نصه الكامل هو أن صحابيا قال: (( كانت لي جارية ترعى غنما لي قبل أحد والجوانية، فاطلعت ذات يوم فإذا الذيب [الذئب؟؟] قد ذهب بشاة من غنمها، و أنا رجل من بني آدم آسف كما يأسفون لكني صككتها صكة، فأتيت رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فعظم ذلك علي قلت يا رسول الله أفلا أعتقها؟ قال: ائتني بها فأتيته بها فقال لها: أين الله؟ قالت: في السماء قال: من أنا؟ قالت: أنت رسول الله قال أعتقها فإنها مؤمنة ) ) [2] . فهو حديث صحيح و قاطع بأن الله تعالى في السماء، و لا يحتاج إلى تأويل رشدي، و لا إلى قول ابن رشد بأن الجارية لم تكن من أهل البرهان، لأن كلامه هذا هو رد لحديث رسول الله، و طعن فيه أيضا، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن الذي سألها أين الله؟، و وافقها على جوابها هو النبي -عليه الصلاة و السلام-، و هو لا يقول إلا حفا. و عليه فإنه لا يصح شرعا و لا عقلا الزعم بأن رسول الله فعل معها ذلك لأنها لم تكن من أهل البرهان. فهذا الزعم هو طعن في الله و رسوله، و مخالف لضروريات الشرع و مبادئه، فالنبي لا يقول إلا حقا، أرسله الله تعالى رحمة للعلمين ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، و يُبين لهم أمر دينهم و دنياهم. و من كانت هذه صفات لا يُقال: أنه لم يكن صريحا و لا صادقا في كلامه مع الجارية. لأن هذا يعني أنه غشّها في سؤاله و موافقته لها، و هذا -بلا شك - زعم باطل، و القول به هو ظلال مبين، و جهل كبير.
و خامسا إنه يتبين من كلامه السابق أمران خطيران جدا، و ذلك أنه-أي ابن رشد- زعم أن من الشرع ظاهر يجب على أهل البرهان تأويله، فإن تركوه و حملوه على ظاهره كان ذلك كفرا. فهذا الزعم يتضمن الأمرين الخطيرين، أولهما مفاده أن معظم المسلمين هم على كفر في موقفهم من
(1) سنثبت ذلك و نوثقه في الفصلين الثاني و الرابع، إن شاء الله تعالى.
(2) مسلم: الصحيح، حققه فؤاد عبد البالقي، دار إحياء التراث العربي - بيروت، دت، ج 1 ص: 381، رقم الحديث.