فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 232

ذلك النوع من النصوص، لأنهم ليسوا من أهل البرهان على حد زعمه، فإن حاولوا تأويله فهم على كفر أو على بدعة، لأنهم ليسوا أهلا لهذا التأويل، و لا لهم القدرة على ممارسته على حد زعمه.

و أما الأمر الثاني فيعني أن الله تعالى و رسوله قد أقرا معظم المسلمين على هذا الكفر المزعوم، عندما تركاهم على موقفهم من هذا النوع الظاهر من النصوص، و لم يُرشداهم إلى الطريق الصحيح في التعامل مع هذا النوع من الآيات. فهم على هذا الكفر المزعوم إلى أن يرث الله الأرض و من عليها. و لم يتخلّص منه إلا ابن رشد و أمثاله من المشائين أهل البرهان المزعوم.

و لا شك أن ما زعمه ابن رشد باطل جملة و تفصيلا، شرعا و عقلا، لأن الله تعالى ذكر مرارا -في كتابه العزيز - أنه أرسل محمدا بدين الحق ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، و يُعلمهم الكتابة و الحكمة، و أنه أتم للمسلمين دينهم، في قوله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) )-سورة المائدة: 3 - . و قد أمضى رسول الله -عليه الصلاة و السلام- 23 سنة في الدعوة و الجهاد، و التربية و التعليم. ثم بعد هذا يُزعم ابن رشد أن النبي-صلى الله عليه و سلم- تُوفي و لم يُبين لأمته الموقف الصحيح من ذلك النوع الظاهر من النصوص الشرعية، فذهب و تركها على كفر في موقفها منه، حتى جاء المشاؤون كابن رشد و إخوانه، فعرفوا ذلك، و نجّوا أنفسهم من ذلك الكفر و تركوا معظم الأمة على الكفر الذي تركهم عليه رسول الله!!. فهذا الزعم الباطل المضحك هو الذي قاله ابن رشد، و هو -بلا شك- بهتان كبير لا دليل له عليه، إلا التعصب و إتباع الظن و الهوى.

و أما عبارة: أهل البرهان، التي أكثر ابن رشد من ترديدها، فهي عبارة جوفاء، فيها تغليط و تلبيس على القراء، أطلقها على نفسه و أمثاله من الفلاسفة الأرسطيين، و تسلط بها على مخالفيه، مع أن الحقيقة خلاف ذلك تماما؛ فهو و أصحابه من أكثر الناس تحريفا و تلفيقا، ينطلقون من خلفياتهم المذهبية المتعصبة في الحكم على مخالفيهم، فيسمون مخالفيهم بالعامة و الجمهور، و أهل الجدل، و يسمون أنفسهم بأهل البرهان و اليقين. و الحقيقة خلاف ذلك، فهم من أبعد الناس عن البرهان و اليقين، و من أكثرهم خطأ و ضلالا و انحرافا عن الشرع و العقل معا [1] .

و أما النموذج الثالث- من التأويل الرشدي- فمفاده أن ابن رشد قسم أهل التأويل إلى قسمين، الأول يخص أهل التأويل الجدلي، و يمثله المتكلمون، و هم جدليون بالطبع تأويلاتهم جمهورية. و ثانيهما يتعلق بأهل التأويل البرهاني اليقيني، و يمثله الفلاسفة، و هم برهانيون بالطبع، من أهل صناعة الحكمة [2] .

(1) سنتوسع في ذلك و نوثقه في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى.

(2) ابن رشد: فصل المقال، ص: 118.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت