ذلك النوع من النصوص، لأنهم ليسوا من أهل البرهان على حد زعمه، فإن حاولوا تأويله فهم على كفر أو على بدعة، لأنهم ليسوا أهلا لهذا التأويل، و لا لهم القدرة على ممارسته على حد زعمه.
و أما الأمر الثاني فيعني أن الله تعالى و رسوله قد أقرا معظم المسلمين على هذا الكفر المزعوم، عندما تركاهم على موقفهم من هذا النوع الظاهر من النصوص، و لم يُرشداهم إلى الطريق الصحيح في التعامل مع هذا النوع من الآيات. فهم على هذا الكفر المزعوم إلى أن يرث الله الأرض و من عليها. و لم يتخلّص منه إلا ابن رشد و أمثاله من المشائين أهل البرهان المزعوم.
و لا شك أن ما زعمه ابن رشد باطل جملة و تفصيلا، شرعا و عقلا، لأن الله تعالى ذكر مرارا -في كتابه العزيز - أنه أرسل محمدا بدين الحق ليُخرج الناس من الظلمات إلى النور، و يُعلمهم الكتابة و الحكمة، و أنه أتم للمسلمين دينهم، في قوله تعالى: (( الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا ) )-سورة المائدة: 3 - . و قد أمضى رسول الله -عليه الصلاة و السلام- 23 سنة في الدعوة و الجهاد، و التربية و التعليم. ثم بعد هذا يُزعم ابن رشد أن النبي-صلى الله عليه و سلم- تُوفي و لم يُبين لأمته الموقف الصحيح من ذلك النوع الظاهر من النصوص الشرعية، فذهب و تركها على كفر في موقفها منه، حتى جاء المشاؤون كابن رشد و إخوانه، فعرفوا ذلك، و نجّوا أنفسهم من ذلك الكفر و تركوا معظم الأمة على الكفر الذي تركهم عليه رسول الله!!. فهذا الزعم الباطل المضحك هو الذي قاله ابن رشد، و هو -بلا شك- بهتان كبير لا دليل له عليه، إلا التعصب و إتباع الظن و الهوى.
و أما عبارة: أهل البرهان، التي أكثر ابن رشد من ترديدها، فهي عبارة جوفاء، فيها تغليط و تلبيس على القراء، أطلقها على نفسه و أمثاله من الفلاسفة الأرسطيين، و تسلط بها على مخالفيه، مع أن الحقيقة خلاف ذلك تماما؛ فهو و أصحابه من أكثر الناس تحريفا و تلفيقا، ينطلقون من خلفياتهم المذهبية المتعصبة في الحكم على مخالفيهم، فيسمون مخالفيهم بالعامة و الجمهور، و أهل الجدل، و يسمون أنفسهم بأهل البرهان و اليقين. و الحقيقة خلاف ذلك، فهم من أبعد الناس عن البرهان و اليقين، و من أكثرهم خطأ و ضلالا و انحرافا عن الشرع و العقل معا [1] .
و أما النموذج الثالث- من التأويل الرشدي- فمفاده أن ابن رشد قسم أهل التأويل إلى قسمين، الأول يخص أهل التأويل الجدلي، و يمثله المتكلمون، و هم جدليون بالطبع تأويلاتهم جمهورية. و ثانيهما يتعلق بأهل التأويل البرهاني اليقيني، و يمثله الفلاسفة، و هم برهانيون بالطبع، من أهل صناعة الحكمة [2] .
(1) سنتوسع في ذلك و نوثقه في الفصل الخامس إن شاء الله تعالى.
(2) ابن رشد: فصل المقال، ص: 118.