فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 232

و قوله هذا فيه إغفال و تغليط، و تلبيس على القراء، لأنه أولا حصر أهل التأويل في طائفتين، هما: المتكلمون و الفلاسفة، و أغفل أهل التأويل الشرعي الصحيح. و بناء على ذلك فإن أهل التأويل ثلاثة أصناف و ليس اثنين. الصنف الأول يمثله أهل التأويل الشرعي، و هم الذين يُمارسون التأويل بمعنى التفسير و الشرح و البيان، و مصدرهم في ذلك: الشرع أولا، ثم اللغة العربية التي نزل بها القرآن الكريم ثانيا، ثم إجماع الصحابة و السلف الصالح ثالثا، ثم ما قرره العقل الصريح رابعا، ثم ما أثبته العلم الصحيح خامسا.

و أما الصنف الثاني فيمثله أهل التأويل التحريفي الكلامي، و مصدر تأويلاتهم خليط من الفلسفة و الشرع و أفكارهم التي ابتدعوها، و هم يأخذون بالتأويل وفق معناه التحريفي، لا بمعناه الشرعي اللغوي الصحيح، لذا نفوا الأفعال و الصفات الإلهية [1] .و الصنف الثالث هم أهل التأويل التحريفي التلفيقي، فلا يأخذون بالمعنى الشرعي للتأويل، و لا بمعتاه الصحيح في اللغة، و مصدر تأويلاتهم هو الفلسفة اليونانية عامة، و الأرسطية المشائية خاصة.

و ثانيا إن زعمه بأن تأويلات الفلاسفة هي تأويلات برهانية يقينية، و تأويلات المتكلمين هي تأويلات جمهورية - من الجمهور-، هو زعم باطل فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن كلا من تأويل الطائفتين هو تأويل تحريفي مخالف للتأويل للشرعي الصحيح. و الطائفتان يجمعهما منطلق واحد في موقفهما من صفات الله تعالى، لذا وجدنا ابن رشد يقول بتأويل آية الاستواء، و حديث النزول، و حديث الجارية السوداء، إتباعا للمتكلمين الذين سبقوه إلى تأويل ذلك [2] .

و النموذج الرابع مفاده أن ابن رشد يعتقد أن على أهل البرهان -أي الفلاسفة- أن لا يُصرّحوا بتأويلاتهم للجمهور و أهل الجدل -أي المتكلمون-، و لا يحل لهم الإفصاح بها إلى هؤلاء، كما قال علي ابن أبي طالب-رضي الله عنه-: (( حدّثوا الناس بما يفهمون، أتريدون أن يُكذب الله و رسوله ) ).و دعا أيضا إلى إخفاء المصنفات التي سماها: الكتب البرهانية عن الجمهور، و عدم تدوين تأويلات الفلاسفة في الكتب الخطابية و الجدلية الموجهة للجمهور و المتكلمين. و من صرّح منهم-أي من الفلاسفة- بتأويلات البرهانيين لغير أهلها فهو كافر، لدعوته الناس إلى الكفر. و حثهم أيضا على السعي لإقرار الشرع على ظاهره، و عدم التصريح للجمور بعملية الجمع التي قاموا بها للجمع بين الشرع و الفلسفة، لأن التصريح بنتائجها للجمور لا يصح، لأنهم ليس لديهم براهين تلك النتائج، و إنما هي عند العلماء-أي الفلاسفة- الذين جمعوا بين الشرع و العقل [3] .

(1) ابن تيمية: درء التعارض بين العقل و النقل، تحقيق: محمد رشاد سالم، دار الكنوز الأدبية - الرياض، 1391 ج 1 ص: 146، 192، 221. و ابن قيم الجوزية: الصواعق المرسلة، ج 3 ص: 1106، ج 4 ص: 1425، 1426.

(2) نفسه، ج 1 ص: 146، 192، 221. و نفسه، ج 3 ص: 1106، ج 4 ص: 1425، 1426.

(3) ابن رشد: الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 99، 151. و فصل المقال، ص: 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت