و ردا عليه أقول: إن دعونه الفلاسفة إلى إخفاء تأويلاتهم عن غيرهم من العوام و أهل العلم، هي دعوة لا مبرر لها شرعا و لا عقلا، لأنهم لو كانوا حقا من أهل العلم، و ما عندهم حق و برهان، ما أخفوا علمهم عن الناس. علما بأن الشرع يأمر بالحق و يحث على العلم، و ينهي عن كتمانه، و يُحذر من إتباع الظنون و الأهواء. فلماذا هو يدعوا إلى إخفاء تأويلات الفلاسفة، و يُحرم الناس منها بما أنها حق و برهان و يقين، على حد زعم ابن رشد؟. و هل التأويلات البرهانية اليقينية تُخفى؟. و ها هو كتاب الله الحق المبين، و البرهان المنير، لماذا لم يأمر الله تعالى رسوله بإخفائه عن عامة الناس؟!.
و بما أن ابن رشد أصر على دعوته في إخفاء تأويلات الفلاسفة و كتمانها عن غيرهم من الناس، فإن هذا دليل قوي على أن تأويلاتهم مخالفة للشرع و العقل و العلم. لأن ما خالف الشرع فهو باطل، و ما خالفه فهو بالضرورة مخالف للعقل و العلم معا. و إلا لماذا يخاف من إظهارها؟، فلو كانت برهانا و يقينا ما دعا إلى إخفائها. و لو كانت برهانا ما خالفت الشرع أبدا، و بما أنها خالفته فهي تأويلات باطلة بالضرورة.
و ثانيا إن احتجاجه بقول علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- هو احتجاج لا يصح و في غير محله. و قد تعقّبه شيخ الإسلام تقي الدين بن تيمية و رد عليه، مبينا أنه-أي ابن رشد- حمل ذلك القول على علوم الباطنية الفلاسفة نُفاة الصفات، و هذا تحريف ظاهر لقول علي، لأن قوله: (( حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يُكذب الله و رسوله ) )، دليل على أن ذلك مما أخبر به النبي-عليه الصلاة و السلام [1] - بمعنى أنه لم يُخفيه.
و أشار الشيخ ابن تيمية إلى أن ابن رشد روى أن عليا قال: (( حدثوا الناس بما يفهمون أتريدون أن يُكذب الله و رسوله ) )، ثم عقّب عليه بقوله: إن ابن رشد حرّف قول علي لفظا و معنى، لأن عليا قال- فيما رواه عنه البخاري [2] : (( حدثوا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون أتحبون أن يكذب الله ورسوله ) ). و هذا يدل على نقيض مطلوبه لأنه قال: أتحبون أن يكذب الله ورسوله، فعلم أن الأحاديث التي قالها الله ورسوله، أحاديث لا يطيق كل أحد حملها فإذا سمعها من لا يطيق ذلك كذّب الله ورسوله. وهذا إنما يكون في ما قاله الرسول- صلى الله عليه وسلم- وتكلم به، لا في خلاف ما قاله، ولا في تأويل ما قال خلاف ظاهره، فإن ذكر ذلك لا يوجب أن المستمع يكذب الله ورسوله، بل يكذب المتأوّل المخالف لما قال الله ورسوله. نعم نفس ذلك التأويل المخالف لقوله يكون تكذيبا لله ورسوله، إما في الظاهر وإما في الباطن والظاهر، فلو أُريد ذلك
(1) مجموع الفتاوى، ج 13 ص: 260.
(2) صحيح البخاري، باب من خص بالعلم قوما دون قوم كراهية أن لا يفهموا، ج 1 ص: 59.