فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 232

لكان يقول: أتريدون أن تكذبوا الله ورسوله، أو أن تُظهروا تكذيب الله ورسوله. فإن المكذب من قال ما يخالف قول الله ورسوله، إما ظاهرا وإما ظاهرا وباطنا، وعلي إنما خاف تكذيب المستمع لله ورسوله )) [1] .

و ثالثا إن القول الذي ذكره ابن رشد عن علي، يُماثله قول لعبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- عندما قال: (( ما من رجل يُحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم ) ) [2] . فهذان القولان ليسا كتمانا للحقيقة، و لا اعتقادا بتعارض النصوص معها، و لا تأويلا لها على طريقة ابن رشد التحريفية. و لا يُوجد فيهما ما يُشير إلى أن النبي-عليه الصلاة و السلام- كان يُظهر للناس خلاف ما يُخفيه عنهم، و إنما هما قولان يندرجان في إطار ما أمر به الشرع باستخدام الحكمة و الموعظة الحسنة، و الجدال بالتي هي أحسن، في الدعوة إلى الله تعالى، على بصيرة و علم، و حكمة و نباهة و فطنة، لقوله تعالى: (( ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ) )-سورة النحل: 125 - ، و (( قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي وَسُبْحَانَ اللّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) )-سورة يوسف: 108 - . فهذا هو المنهج الصحيح السليم الموافق للشرع و العقل في التعامل مع الناس، فلا إخفاء فيه، و لا تغليط، و لا تدليس عليهم. و إنما هو دعوة إلى استخدام الحكمة في مخاطبة الناس، و مراعاة قدراتهم و مستوياتهم العلمية و الاجتماعية.

علما بأنه -أي ابن رشد- اعترف بأمر خطير جدا، ذكر فيه أن تأويله الذي يدعو إليه يتضمن شيئا من إبطال لظاهر من الشرع و إثبات المؤوّل [3] . فهذا اعتراف صريح منه بأن تأويله يُحرف النص، و هو أمر ينكره الشرع الحكيم و لم يقل به علي و لا ابن مسعود- رضي الله عنهما- و ما أرداه من قوليهما، اللذين هما -في الحقيقة- استبطنا منهجا دعويا في الدعوة إلى الله بالحكمة و الموعظة الحسنة.

و نحن لا ننكر بأنه يُوجد تباين واضح بين ما يفهمه العامي من الشرع، و بين ما يفهمه العالم منه، فهذا الأخير - أي العالم- لاشك أنه أكثر عمقا، و اتساعا، و شمولية، و إدراكا لحكمة الشرع و مراميه من العامي؛ لكن هذا التباين لا يقوم على التعارض بين النصوص الشرعية، و لا بينها و بين بدائه العقول و حقائق الطبيعة، و لا يقوم أيضا على التأويل التحريفي الذي يتبناه ابن رشد و يُدافع عنه و يدعوا إليه.

(1) بين تلبيس الجهمية، مكة المكرمة، مطبعة الحكومة، 1392 ج 1 ص: 239 - 240.

(2) ابن تيمية: مجموع الفتاوى، ج 3 ص: 311.

(3) ا: فصل المقال، ص: 199.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت