فهرس الكتاب

الصفحة 41 من 232

و رابعا إن دعوته إلى إخفاء كتب الفلاسفة عن الجمهور و أهل العلم من غير الفلاسفة، هي اعتراف منه بأنها مخالفة للشرع، لأنها لو كانت صحيحة موافقة له، ما دعا إلى إخفائها، و إنما يدعوا إلى نشرها بين الناس و التباهي بأنها تتفق مع الشره و هي في خدمته. و بما أنه لم يفعل ذلك فما قلناه هو الصحيح، و يُؤكده أن ابن رشد نفسه اعترف بذلك عندما قرر أن المصرّح بتأويلات الفلاسفة- المدونة في كتبهم- لغير (( أهلها كافر، لمكان دعائه الناس إلى الكفر ) ) [1] . فهذا اعتراف خطير منه، بأن تأويلات الفلاسفة- التي دعا إلى إخفائها- هي كفر يجب كتمانها عن غير أهلها. فلو كانت حقا موافقا للشرع و العقل و العلم ما كانت كفرا، و ما أمر بإخفائها حتى أنه كفّر من يُظهرها من المؤولين!!.

و خامسا إن قوله بأن العلماء- أي الفلاسفة من أهل البرهان حسب زعمه- هم الذين لهم القدرة على الجمع بين الشريعة و الفلسفة - الأرسطية المشائية-،و بين الشريعة و العقل، هو قول لا يصح، و فيه تغليط و تلبيس على القراء، لأن هؤلاء الفلاسفة لا يمكنهم القيام بعمل صحيح موافق للشرع و العقل و العلم، لأنهم -عندما يسعون للقيام بهذه العملية- ينطلقون من منطلقين غير صحيحين، أولهما اتخاذ الفلسفة- اليونانية عامة و الأرسطية خاصة - مصدرا للمعرفة و منطلقا في النظر إلى الشرع و العقل و العلم، و هذا منطلق باطل لا يصح، لأن تلك الفلسفة ليست مصدرا معرفيا يقينيا و لا معيارا صحيحا، لأنها مليئة بالأخطاء و الظنون، و الأوهام و الأساطير، و الانحرافات المنهجية [2] . و فلسفة هذا حالها لا يصح أبدا اتخاذها حَكمًا و منطلقا في النظر إلى الشرع و العقل و العلم.

و المنطلق الثاني هو أن هؤلاء الفلاسفة يستخدمون التأويل التحريفي في التعامل مع الشرع، و هذا تأويل باطل مرفوض، و لا يصح استخدامه، لأنه يُحرف النصوص، و يُفسد العملية التأويلية كلية، حتى أن ابن رشد نفسه اعترف أنها عملية تدعو الناس إلى الكفر!!. و بذلك يتبين أن هذه العملية التأويلية المزعومة لا يستطيع القيام بها -على وجهها الصحيح- ابن رشد و لا أصحابه، لأنهم يفتقدون إلى المنطلق الشرعي الصحيح، و ليس لديهم الوسيلة الصحيحة الموافقة للشرع و اللغة العربية معا، و فاقد الشيء لا يُعطيه.

و أما النموذج الخامس فمفاده أن ابن رشد ادعى أن الأمثال المضروبة في الشرع هي الظاهر منه، للتعبير عن المعاني الباطنة في النص، ضُربت للجمهور من الخطابيين و الجدليين، ضربها الله تلطفا منه بعباده الذين لا سبيل لهم إلى البرهان، لخفاء المعاني التي لا تُعلم إلا بالبرهان، و لا يُدركها إلا أهل البرهان. و فضرب الله لهم-أي للجمهور- أمثالها و (( أشباهها، و دعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال ) ) [3] .

(1) نفسه، ص: 119.

(2) سنتوسع في ذلك و نوثقه في الفصول الآتية، بحول الله تعالى.

(3) ابن رشد: فصل المقال، ص: 109، 110.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت