و ردا عليه أقول: أولا إنه قرر ما ادعاه من دون دليل من الشرع و لا من العقل، و إنما قرره بناء على مذهبيته الأرسطية المشائية، التي يُعبر عنها بحكاية البرهان المزعوم، التي لا يمل من ذكرها و ترديدها، و الافتخار و التعالي بها [1] . و هو عندما ادعى ذلك اغفل الشرع تماما، و قرر ما يُخالفه. لأن الله تعالى ذكر في كتابه العزيز آيات كثيرة نوّه فيها بأهمية المثل و الأمثال، و قد ضربها لكل الناس عامة و للعلماء خاصة لأنهم أكثر من غيرهم أهلا لتدبرها و تفهمها و الانتفاع بها. من ذلك، قوله تعالى: (( يضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون ) )-سورة إبراهيم/25 - ، و (( تلك الأمثال نضربها للناس لعلهم يتذكرون ) )-سورة الحشر/21 - ، و (( تلك الأمثال نضربها للناس و ما يعقلها إلا العالمون ) )-سورة العنكبوت/43 - . و مع وضوح هذا الآيات بأنها موجهة لكل الناس بعوامهم و خواصهم، و بجاهلهم و عالمهم، فإن ابن رشد يزعم أن الأمثال الشرعية ضُربت للجمهور و الجدليين و لم تُضرب لأهل البرهان، مع أن الله تعالى قال صراحة: (( و ما يعقلها إلا العالمون ) ). فعجبا منه، كيف سمح لنفسه بأن يتقدم على الشرع و يُقرر ما يُخالفه، و يقع في هذه المخالفة الفاحشة؟!!.
و ثانيا إنه -أي ابن رشد- عندما أغفل الشرع و قرر ما يُخالفه، طرح ذلك بطريقة ظاهرها مدح للشرع، و باطنها هو إغفاله و إبعاده له، فقال: (( و أما الأشياء التي لخفائها لا تُعلم إلا بالبرهان فقد تلطف الله فيها بعباده الذين لا سبيل لهم إلى البرهان ... بأن ضرب لهم أمثالها و أشباهها، و دعاهم إلى التصديق بتلك الأمثال ) ) [2] . فهذه طريقة ملتوية من طرق التأويل الرشدي التحريفي للشرع، فالله تعالى أخبرنا أنه ضرب الأمثال للناس عامة، و لأهل العقل و الفهم و الفكر خاصة، لكن ابن رشد أغفل ذلك و تناساه، و زعم أن تلك الأمثال موجهة للجمهور، بطريقة فيها تظاهر بمدح الشرع عندما زعم بأن الله تلطف بالجمهور في ضربه لتلك الأمثال. فهذا المدح حقيقته إغفال للشرع و إبعاد له، و تحريف له، و تلاعب به، و توظيف له لخدمة الأرسطية المشائية.
و ثالثا إنه -أي ابن رشد- في مدحه المتكرر لحكاية البرهان المزعوم، أغفل أهمية الأمثال، و ادعى أنها موجهة للجمهور. و موقفه هذا غير صحيح، و فيه إهمال للأمثال و تقزيم لها، فهي إذا كانت أمثلة صحيحة و دقيقة هادفة، و اُستخدمت في مكانها المناسب أصبحت هي نفسها أدلة و براهين دامغة، لأنها وسيلة من وسائل الإيضاح و الاستدلال و البرهنة، تُستخدم في مختلف مجالات العلوم و المعارف و الفنون، و لا يُستغنى عنها في أي علم من العلوم، لأنه بالمثال يتضح المقال و تُشرح النظريات، فهي تجربة عملية، و عينات تطبيقية يُعبر بها عن الأشياء و الحالات و الحقائق بأدلة محسوسة، و هذا خلاف ما ذهب إليه ابن رشد الذي أزدرى بالأمثال و قزّمها.
و النموذج السادس - من تأويلات ابن رشد- إنه ادعى أن الظاهر من العقائد الوارد في الشريعة قصد (( به الشرع حمل الجمهور عليها ) ) [3] . و هذا زعم باطل لا يصح، و تأويل فاسد للشرع و اعتداء عليه، لأنه لم يُقدم دليلا شرعيا و لا عقليا على زعمه هذا. و دين الإسلام شاهد -بعقائده و أخلاقه و أحكامه و علومه- على أنه موجه إلى كل فئات الناس من المسلمين، و ليس خاصا بطائفة منهم دون غيرها. و الله تعالى عندما تكلم عن العقائد، و وصف نفسه بالأسماء الحسنى و الصفات المثلى لم يُخصصها بفئة من المسلمين، و إنما خاطبهم بها كلهم، و خصّ العلماء الربانيين بالذكر و التنويه في آيات كثيرة، لأنهم أعرف الناس بالله و صفاته و أفعاله، كقوله سبحانه: (( إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ ) )-سورة فاطر: 28 - ، و (( فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ ) )-سورة محمد: 19 - ، و (( وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ ) )-سورة العنكبوت: 43 - .
و السيرة النبوية هي أيضا شاهدة على بطلان زعمه، لأننا إذا تتبعنا سيرة رسول الله-عليه الصلاة و السلام- في الدعوة إلى الله، و تربيته لأصحابه لا نجده فرّق بين ظاهر العقائد و باطنها، و لا خصص بعضها لعامة الناس، و بعضها الآخر لخاصتهم. فهذا الرجل -أي ابن رشد- فتنه التأويل الباطني التحريفي حتى أصبح يُقرر ما يُخالف الشريعة صراحة، بلا دليل صحيح من الشرع و لا من العقل.
و أما النموذج السابع فيتمثل في أن ابن رشد نصّ على أن الشرع مُقسم إلى ظاهر و باطن، فالظاهر (( هو تلك الأمثال المضروبة لتلك المعاني. و الباطن هو تلك المعاني التي لا تتجلى إلا لأهل البرهان ) ).و تقسيمه هذا أقامه على أساس الزعم بتعارض ظواهر بعض نصوص الشرع مع بواطنها [4] .
و زعمه هذا سبق أن بينا بطلانه، و هو هنا يُغالط و يُدلس في استخدامه لتلك الألفاظ. فمما لا شك فيه أن اللغة العربية فيها أساليب بيانية و بلاغية كثيرة للتعبير بها عن الحقائق، كالسجع، و الجناس، و المجاز، و الاستعارة، و الكناية، و هي كلها لا تخرج على أنها تعبيرات عن المعاني التي تحملها من دون أن تتناقض مع الشرع في استخدامه لها. و قد صدق الفقيه أبو محمد بن حزم الأندلسي عندما قال: (( واعلموا أن دين الله تعالى ظاهر لا باطن فيه، وجهر لا سر تحته، كله برهان لا مسامحة فيه، واتهموا ... كل من ادعى للديانة سرا وباطنا، فهي دعاوى و مخارق ) ) [5] .
(1) سنناقشه في حكاية البرهان، و نبطل مزاعمه فيها، في الفصول الآتية إن شاء الله تعالى.
(2) فصل المقال، ص: 109.
(3) الكشف عن مناهج الأدلة، ص: 99.
(4) فصل المقال، ص: 98، 109.
(5) ابن حزم: الفصل في الملل و الأهواء و النحل، مكتبة الخانجي القاهرة، ج 2 ص: 91 - 92.