و كلامه هذا صحيح، لأن الشرع و إن اختلفت درجة فهم الناس له عمقا و اتساعا، فهذا لا يجعل له ظاهرا و باطنا، و لا باطنا معارضا لظاهر. فالاختلاف في الفهم هو اختلاف تنوّع لا اختلاف تعارض و لا تناقض، لأن الشرع مُحكم لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه، و (( أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَ لَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرًا (النساء: 82 - ، و هذا الذي قررناه يختلف تماما عن التأويل الرشدي بظاهريته و باطنيته التحريفيتين.
و النموذج الثامن - من تأويلات ابن رشد- مفاده أنه عندما نصّ على أن التأويلات الصحيحة-حسب زعمه- يجب إخفاؤها و عدم ذكرها في الكتب الجمهورية، قال: (( و التأويل الصحيح هي الأمانة التي حُمّلها الإنسان، فحملها و أشفق منها جميع الموجودات، أعني المذكورة في قوله تعالى: (( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ ) ) [1] -سورة الأحزاب: 72 - .
و زعمه هذا لا يصح، لأنه لا يقصد به التأويل الصحيح بمعناه الشرعي، و إنما يقصد به تأويله الباطني التحريفي، الذي أقامه على حكاية تعارض النصوص، و إخفاء التأويل الباطني، و هذا أمر سبق أن بينا بطلانه، الأمر الذي يعني أنه لا يمكن لابن رشد -بهذا التأويل- أن يفهم الشرع فهما صحيحا، و لا أن يسمي تأويله تأويلا صحيحا.
و تفسيره لآية الأمانة بأنه التأويل الصحيح، هو تفسير لا يصح، و إنما هو التفسير الرشدي، و هو تفسير باطل، لأنه لو أكمل الآية لتبين معناها المخالف لما ذهب إليه. قال تعالى: (( إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا ) )-سورة الأحزاب: 72 - 73 - فواضح من هاتين الآيتين أن الأمانة المقصودة هي مسؤولية القيام بالطاعة التي تقوم عليها العبودية التامة لله تعالى. و قد قال كثير من السلف أن تلك الأمانة هي القيام بالفرائض و الحدود و مختلف الطاعات، و حاصل أمرها أنها (( التكليف و قبول الأوامر و النواهي بشرطها، و هو أنه: إن قام بذلك أُثيب و إن تركها عُوقب، فقبلها الإنسان على ضعفه و جهله و ظلمه ) ) [2] .و لو كان التأويل الرشدي على الطريقة الشرعية الصحيحة، لوجدنا له وجها صحيحا في تفسيره لآية الأمانة، و هو أن الإنسان فهم فهما صحيحا المهمة التي خُلق من أجلها و كُلّف بها، فكانت الأمانة هو هذا الفهم الصحيح لها، و ليست الأمانة هي التأويل التحريفي الرشدي.
و أما النموذج الأخير- و هو التاسع- فيتعلق بتأويل ابن رشد لآية المحكم و المتشابه، و الراسخين في العلم، في قوله تعالى: (( هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ
(1) فصل المقال، ص: 121.
(2) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم، دمشق، دار الفيحاء، 1994 ج 3 ص: 689.