فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 232

مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَاوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الألْبَابِ )) -سورة آل عمران: 7 - . فإنه يرى أن الراسخين في العلم هم الذين ذكرهم الله تعالى في هذه الآية، و توقف عند قوله تعالى: (( و الراسخون في العلم ) )، فهم لهم القدرة على ممارسة التأويل الجامع بين ظواهر الشرع المتعارضة. و اختار-أي ابن رشد- التوقف عند (( و الراسخون في العلم ) )، لأنه (( إذا لم يكن أهل العلم يعلمون التأويل، لم يكن عندهم مزية تصديق تُوجب لهم من الإيمان به مالا يُوجد عند غير أهل العلم ... ) ) [1] .

و قوله هذا غير صحيح في معظمه، لأنه أولا أن الراسخين في العلم الذين ذكرتهم الآية هم العلماء المؤمنون الربانيون على رأسهم الصحابة و التابعين و من سار على نهجهم إلى يوم الدين، لأن الصحابة هم الذين تلقوا التفسير و منهجه عن رسول الله-عليه الصلاة و السلام-، و عنه أخذ من جاء بعدهم من المسلمين. فهم الذين يُمارسون التأويل الشرعي بمعناه الصحيح، و ليس أهل التأويل الباطني المشائي الرشدي الذين يزعمون وجود تعارض بين النصوص الشرعية، فيُحرفونها و يُخرجونها عن حقيقتها بتأويلهم التحريفي، ثم يُخفون تأويلاتهم الفاسدة عن أئمة المسلمين و عامتهم، لأنها تخالف النقل الصحيح، و العقل الصريح. و قد اعترف بهذا ابن رشد نفسه، عندنا وصف تأويلاتهم بأنها كفرية، من أظهرها منهم فهو كافر [2] .

و ثانيا إن دليله الذي احتج به في التوقف عند قوله تعالى (( و الراسخون في العلم ) )، و مفاده أنه لو لم يكن أهل العلم يعلمون التأويل لم يكن عندهم مزية تصديق تُوجب لهم من الإيمان ما لا يُوجد عند غير أهل العلم. فهو لا يصح، و لا يُؤدي إلى ما يريد الوصول إليه من ممارسة تأويله التحريفي. فعلى فرض صحة التوقف عند (( و الراسخون في العلم ) )، فهم يُمارسون التأويل الشرعي لا التأويل التحريفي الرشدي من جهة. و هم بفضل علمهم أدركوا و تبينوا و علموا أن الإحاطة بذلك التأويل و معرفته على حقيقته النهائية، هو أمر لا يعلمه إلا الله تعالى من جهة ثانية. فسلّموا و خضعوا و أخبتوا و قالوا: (( كل من عند ربنا ) ). و بهذا الفهم لهم مزية التصديق و التسليم عن علم و إدراك، و أما غيرهم من عامة الناس فتسليمهم عن عجز بلا علم، فشتان بين الموقفين!!.

و ثالثا إن الآية لا يكتمل معناها إلا إذا أتممناها بقوله تعالى: (( يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) )فسواء توقفنا عند (( إلا الله ) )، أو (( و الراسخون في العلم ) )، فعلى الحالتين أن الراسخين في العلم هم الذين يقولون: (( آمنا به كل من عند ربنا ) )، و هذا تسليم و إقرار منهم بالخضوع و الاستسلام لله تعالى، و عدم قدرتهم على الإحاطة بتأويل المتشابه. و سواء تمّ ذلك ببحث و تدبر و

(1) فصل المقال، ص: 98، 101، 102.

(2) نفس المصدر، ص: 119.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت