تفكر، أو تمّ بتسليم مباشر، فالنتيجة واحدة. مما يعني أن الراسخين في العلم ليسوا كما زعم ابن رشد، بأنهم يعلمون تأويل المتشابه على طريقته التحريفية، التي تزعم أن التأويل مخالف لظاهر الشرع و يجب إخفائه. فالآية على أي وجه أخذنا به لا تعني ما ادعاه ابن رشد.
و رابعا إن مما يزيد رأي ابن رشد ضعفا و استبعادا و إبطالا، أن التأويل الرشدي هو عملية تحريفية مخالفة للشرع و اللغة معا، لا يليق بالراسخين في العلم ممارستها، و هم الذين مدحهم الله تعالى بالتسليم و الخضوع و الاستسلام. فهم أهل إيمان و تقوى، و علم و يقين , فلو كانوا مؤولين على الطريقة الرشدية التحريفية ما كانوا من الراسخين في العلم، و ما مدحهم الله تعالى، و ما وصفهم بأنهم قالوا: (( آمنا به كل من عند ربنا ) ). و بما أنه وصفهم بذلك فهم على الطريقة التأويلية الشرعية، و ليسوا على الطريقة التأويلية المشائية الرشدية التحريفية المزعومة، التي تجعل المؤوّل مضطربا قلقا، محرفا للشرع، يُخفي تأويلاته عن الناس، مخافة الإطلاع عليها فينكشف أمره، لأنها مخالفة للشرع و العقل معا. فيصدق عليه وصف الله تعالى بأنه من الذين في قلوبهم زيغ: (( و أما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله ) ).
و خامسا إنه تبين لي من تدبر آية الراسخين، و ما قاله ابن رشد - بناء على تأويله التحريفي-، أن هذه الآية ترد على ابن رشد نفسه، و تذم تأويله، و تجعله من الذين في قلوبهم زيغ المثيرين للفتن بدليل الشواهد الآتية: أولها إن مفهومه للتأويل مخالف للتأويل الشرعي و لا يصح. و ثانيهما إنه ادعى أن في الشرع نصوصا متعارضة يجب تأويلها، و هذا مخالف للشرع الذي نصّ صراحة على أنه مُحكم لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. و هو و إن نصّ على وجود آيات متشابهات، فإن المتشابه لا يعني المتناقض و المتعارض، و إنما يعني أن المتشابهات تحتمل عدة معان، و بإرجاعها إلى المحكمات تُعرف معانيها، إذا كانت من الآيات التي يستطيع العقل إدراكها و فهمها؛ و إلا فهي تتعلق بالأمور التي لا يستطيع العقل إدراكها، لكنها مع ذلك ليست متعارضة و لا متناقضة.
و الشاهد الثالث هو أن ابن رشد لم ينطلق في تأويله لآية الراسخين و المحكمات و المتشابهات من الشرع، و إنما انطلق من الفلسفة الأرسطية المشائية في فهمه للتأويل و تطبيقه على الشرع. و هذا هو سبب زعمه بأن في الشرع نصوصا متعارضة، و باطنها مخالف لظاهرها، و بواطنها كفريات يجب إخفاؤها، و من أظهرها فقد كفر. و بذلك يتبين أن ابن رشد و أمثاله ليسوا من الراسخين في العلم الذين ذكرهم الله تعالى و مدحهم في كتابه العزيز، و إنما هم من الراسخين في التأويل الباطني المحرف للشرع و الحقائق.
و سادسا إن ابن رشد نفسه صرّح بأمر خطير جدا، اعترف -ضمنيا- بأنه مخالف للشرع، و اختار موقفا لا يتفق معه-أي الشرع- و ذلك عندما قال: إن الإنسان إذا أصبح من العلماء