فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 232

تفكر، أو تمّ بتسليم مباشر، فالنتيجة واحدة. مما يعني أن الراسخين في العلم ليسوا كما زعم ابن رشد، بأنهم يعلمون تأويل المتشابه على طريقته التحريفية، التي تزعم أن التأويل مخالف لظاهر الشرع و يجب إخفائه. فالآية على أي وجه أخذنا به لا تعني ما ادعاه ابن رشد.

و رابعا إن مما يزيد رأي ابن رشد ضعفا و استبعادا و إبطالا، أن التأويل الرشدي هو عملية تحريفية مخالفة للشرع و اللغة معا، لا يليق بالراسخين في العلم ممارستها، و هم الذين مدحهم الله تعالى بالتسليم و الخضوع و الاستسلام. فهم أهل إيمان و تقوى، و علم و يقين , فلو كانوا مؤولين على الطريقة الرشدية التحريفية ما كانوا من الراسخين في العلم، و ما مدحهم الله تعالى، و ما وصفهم بأنهم قالوا: (( آمنا به كل من عند ربنا ) ). و بما أنه وصفهم بذلك فهم على الطريقة التأويلية الشرعية، و ليسوا على الطريقة التأويلية المشائية الرشدية التحريفية المزعومة، التي تجعل المؤوّل مضطربا قلقا، محرفا للشرع، يُخفي تأويلاته عن الناس، مخافة الإطلاع عليها فينكشف أمره، لأنها مخالفة للشرع و العقل معا. فيصدق عليه وصف الله تعالى بأنه من الذين في قلوبهم زيغ: (( و أما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة و ابتغاء تأويله ) ).

و خامسا إنه تبين لي من تدبر آية الراسخين، و ما قاله ابن رشد - بناء على تأويله التحريفي-، أن هذه الآية ترد على ابن رشد نفسه، و تذم تأويله، و تجعله من الذين في قلوبهم زيغ المثيرين للفتن بدليل الشواهد الآتية: أولها إن مفهومه للتأويل مخالف للتأويل الشرعي و لا يصح. و ثانيهما إنه ادعى أن في الشرع نصوصا متعارضة يجب تأويلها، و هذا مخالف للشرع الذي نصّ صراحة على أنه مُحكم لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه. و هو و إن نصّ على وجود آيات متشابهات، فإن المتشابه لا يعني المتناقض و المتعارض، و إنما يعني أن المتشابهات تحتمل عدة معان، و بإرجاعها إلى المحكمات تُعرف معانيها، إذا كانت من الآيات التي يستطيع العقل إدراكها و فهمها؛ و إلا فهي تتعلق بالأمور التي لا يستطيع العقل إدراكها، لكنها مع ذلك ليست متعارضة و لا متناقضة.

و الشاهد الثالث هو أن ابن رشد لم ينطلق في تأويله لآية الراسخين و المحكمات و المتشابهات من الشرع، و إنما انطلق من الفلسفة الأرسطية المشائية في فهمه للتأويل و تطبيقه على الشرع. و هذا هو سبب زعمه بأن في الشرع نصوصا متعارضة، و باطنها مخالف لظاهرها، و بواطنها كفريات يجب إخفاؤها، و من أظهرها فقد كفر. و بذلك يتبين أن ابن رشد و أمثاله ليسوا من الراسخين في العلم الذين ذكرهم الله تعالى و مدحهم في كتابه العزيز، و إنما هم من الراسخين في التأويل الباطني المحرف للشرع و الحقائق.

و سادسا إن ابن رشد نفسه صرّح بأمر خطير جدا، اعترف -ضمنيا- بأنه مخالف للشرع، و اختار موقفا لا يتفق معه-أي الشرع- و ذلك عندما قال: إن الإنسان إذا أصبح من العلماء

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت