الراسخين في العلم، فعرض له (( تأويل في مبدأ من مبادئها-أي الشرائع- ففرضه ألا يُصرّح بذلك التأويل، و أن يقول كما قال سبحانه و تعالى: (( و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) )، هذه هي حدود الشرائع و حدود العلماء )) [1] .
و قوله هذا فيه تناقض و طعن في ابن رشد نفسه، فهو هنا بدأ الآية بقوله تعالى: (( و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) )، بمعنى أنه وقف عند قوله تعالى: (( و لا يعلم تأويله إلا الله ) )، و هذا يُخالف موقفه السابق من أنه اختار الوقف عند قوله تعالى: (( و الراسخون في العلم ) )، فجعل هذا المقطع مضافا لما سبقه، لكنه هنا وقف عند (( و لا يعلم تأويله إلا الله ) ).
كما أن قوله هذا -أي الأخير- يُوحي بأن ابن رشد فهم من قوله تعالى: (( و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) )، أن الراسخين أخفوا تأويلهم و لم يُصرّحوا به، لذا نصح من أصبح من العلماء الراسخين في العلم بأن يُخفي تأويله المتعلق بمبادئ الشرائع، بدليل أنه قال: (( ففرضه ألا يُصرّح بذلك التأويل، و أن يقول كما قال سبحانه و تعالى: (( و الراسخون في العلم يقولون آمنا به كل من عند ربنا ) ). فقوله هذا شاهد على ممارسة ابن رشد للتأويل التحريفي، لأنه لا توجد مناسبة صحيحة بين رأيه و الآية التي ذكرها. فهو حثّ المؤولين-على طريقته- بإخفاء تأويلاتهم لمبادئ الشرائع، و استشهد بالآية الكريمة التي تخالف زعمه و سياق كلامه، فهي صريحة في وصف الراسخين بأنهم سلّموا و خضعوا و آمنوا و اقتنعوا، و ليس فيها زعم ابن رشد بأنهم أوّلوا مبادئ الشرائع و أخفوها!!.
و واضح من قوله أيضا أن استشهاده بالآية لم يكن تبنيا لموقفها و مضمونها، و إنما كان تأويلا لها لتأييد موقفه التأويلي التحريفي لها، الذي عبّر عنه صراحة بأنه على المؤوّل ألا يُصرّح بتأويلاته للشرع. فهو هنا لم يتبن ما ذكرته الآية، و إنما تبنى موقفا مغايرا لها، و أوّلها لتتماشى مع موقفه التأويلي التحريفي الذي تبناه.
و أُشير هنا إلى أن السلف الأول من الصحابة و التابعين، منهم طائفة وقفت عند قوله تعالى: (( و ما يعلم تأويله إلا الله ) )،و قالت: إن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله. و منهم طائفة أخرى وقفت عند (( و الراسخون في العلم ) )، و قالت: إن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه، على طريقة التأويل الشرعي. و كل من الطائفتين أخذت بالتأويل بمعنى البيان و الشرح و التفسير، و لم تقل بالتأويل البدعي المخالف للشرع [2] .
و يرى الحافظ ابن كثير أننا إذا أخذنا بالوقف عند قوله تعالى: (( و ما يعلم تأويله إلا الله و الراسخون في العلم ) )، يكون الراسخون في العلم يفهمون ما خُوطبوا به، و إن لم يُحيطوا به علما
(1) ابن رشد، تهافت التهافت، حققه صلاح الدين الهواري، بيروت، المكتبة العصرية، 2006، ص: 337 - 338.
(2) ابن تيمية: دقائق التفسير، ج 1 ص: 329، 330.