فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 232

بحقائق كنه ما هي عليه. و بهذا يكون قوله تعالى: (( يقولون آمنا به ... ) )حالا منهم، و قوله: (( أمنا به ) )أي المتشابه (( كل من عند ربنا ) )أي الجميع من المحكم و المتشابه حق و صدق، و كل واحد منهما يُصدق الآخر و يشهد له، لأن الجميع من عند الله، و ليس بشيء من عند الله بمختلف و لا متضاد )) [1] . و تفسيره هذا له وجه صحيح على طريقة التأويل الشرعي من جهة، و فيه رد على التأويل الرشدي التحريفي الذي يقول بتعارض النصوص الشرعية من جهة أخرى.

و ادعى ابن رشد أن المسلمين أجمعوا على (( أنه ليس يجب أن تُحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها، و لا تُخرج كلها عن ظاهرها بالتأويل، و اختلفوا في المؤوّل منها من غير المؤوّل؛ الأشعريون مثلا يتأولون آية الاستواء، و حديث النزول، و الحنابلة تحمل ذلك على ظاهره ) ) [2] . و معنى كلامه أن المسلمين أجمعوا على شرعية استخدام التأويل في التعامل مع النصوص الشرعية، و اختلفوا في حدوده. لأنه إذا كانوا أجمعوا على أن لا يجب أن تُحمل ألفاظ الشرع كلها على ظاهرها فهذا يعني أن فيها طائفة تُؤوّل. و إذا كانوا قالوا: لا تُخرج النصوص كلها عن ظاهرها بالتأويل، فهذا يعني أن التأويل مشروع و ممارس، و لا يُطبق على كل النصوص. فهل هذا الإجماع الذي حكاه ابن رشد حدث حقا و فعلا؟.

و أقول: إن هذا الإجماع الذي حكاه ابن رشد لم يحدث بين المسلمين، بدليل الشواهد الآتية: أولها عن التأويل الذي يُريده ابن رشد هو التأويل التحريفي و ليس التأويل الشرعي، بدليل أنه ذكر مثالا عن الأويل الذي يقصده عندما ذكر أن الأشاعرة يؤوّلون آية الاستواء و حديث النزول. و هذا التأويل لم يحدث حوله إجماع قط، فمنذ أن ظهر الخلاف حوله في القرنين الثاني و الثالث الهجريين، فإنه لم يُرفع و ظل قائما بين جناحي أهل السنة من السلف و الخلف إلى يومنا هذا [3] .

و الشاهد الثاني هو أن ذلك الإجماع المزعوم ينقضه موقف الصحابة و السلف الأول من معنى التأويل عندهم، فهم لم يعرفوا التأويل الرشدي التحريفي، و من سمع به منهم لم يُمارسه، لأنهم مارسوا التأويل بالمعنى الشرعي الذي يعني التفسير و البيان و الشرح، و الفهم الصحيح للشرع. و قد صنف الفقيه الموفق بن قدامة المقدسي (ت 620 ه) كتابا سماه: ذم التأويل، جمع فيه روايات و نصوصا كثيرة عن أئمة السلف و التابعين و من جاء بعدهم، فيها ذم صريح للتأويل و التحريف، و التكييف و التجسيم، و فيها أيضا أمر صريح بوجوب إثبات كل ما صحّ في الشرع، في إطار من التنزيه و التسليم [4] .

(1) ابن كثير: تفشسر القرآن العظيم، ج 1 ص: 460.

(2) فصل المقال، ص: 98.

(3) للتوسع في ذلك أنظر كتابنا: الأزمة العقيدية بين الأشاعرة و أهل الحديث، ط 1، الجزائر، دار الإمام مالك، 2005.

(4) انظر: ذم التاويل، حققه بدر بن عبد الله البدر، ط 2، ضمن مجموع سلسلة عقائد السلف (1 - 3) ، الكويت، دار ابن الأثير، 1995، ص: 222 و ما بعدها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت